اخبار وتقارير

الأحد - 23 أغسطس 2026 - الساعة 11:28 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - حوار - احمد حوذان

لم يكن النزوح بالنسبة للمهندس عبد الله يوسف القطوي نهاية لمساره العلمي، بل تحول إلى نقطة انطلاق نحو تجربة ابتكارية حاول من خلالها استعادة شغفه بالهندسة ومواكبة التطور المتسارع في عالم السيارات.
القطوي، أحد أبناء محافظة ريمة والنازحين في مأرب، بدأ اهتمامه بالسيارات منذ طفولته، ودرس ميكانيكا وكهرباء السيارات وعمل في مجال فحص وبرمجة المركبات، قبل أن تفرض عليه الحرب مغادرة موطنه والبدء من جديد.
وبعد سنوات من العمل والظروف الاقتصادية الصعبة، عاد إلى التعليم والبحث، وبدأ منذ عام 2023 تطوير نموذج لسيارة يمكن التحكم بها دون وجود سائق داخلها، مستعيناً بإمكانات محدودة وقطع مستعملة وخردة أعاد توظيفها.
في هذا الحوار، يكشف القطوي تفاصيل التجربة، من الفكرة الأولى إلى أصعب الاختبارات، ويتحدث عن طموحه لتوظيف المشروع في خدمة الجرحى وذوي الإعاقة، وعن الرسالة التي يريد إيصالها للشباب اليمني.
س: بدايةً، من هو المهندس عبد الله القطوي، ومتى بدأت علاقتك بالسيارات؟
ج: أنا المهندس عبد الله يوسف القطوي، من محافظة ريمة، مديرية الجبين، عزلة قطو، وأحد النازحين في محافظة مأرب.
بدأ شغفي بالسيارات منذ سن العاشرة تقريباً. كنت مهتماً بالهندسة والسيارات، ودرست ميكانيكا وكهرباء السيارات في الحديدة، وعملت في الورش وفحص السيارات بالكمبيوتر وبرمجتها في الحديدة وصنعاء.
س: كيف غيرت الحرب مسارك المهني والعلمي؟
ج: مع اندلاع الحرب تضررنا واضطررنا إلى مغادرة مناطقنا بحثاً عن الأمان، ووصلنا إلى مأرب.
حاولت أن أبدأ حياتي من جديد، فعملت في مجال السيارات، وافتتحت ورشاً، ومارست نشاط بيع وشراء السيارات، ثم افتتحت معرضاً.
لكن الركود الاقتصادي الذي شهدته السوق لاحقاً جعل الاستمرار صعباً جداً، وكدنا نتكبد خسائر كبيرة.
عندها أدركت أن التعليم وتطوير المهارات قد يكونان أفضل استثمار للوقت.
س: هل كان قرار العودة إلى التعليم نقطة التحول في مسيرتك؟
ج: نعم. تركت العمل تدريجياً واتجهت إلى التعليم، واستفدت من الإنترنت والتعليم عن بُعد والتعليم الرقمي.
شعرت أنني أستعيد شيئاً فقدته، وأن لدي قيمة وقدرة على تطوير نفسي من جديد.
س: من أين جاءت فكرة تطوير سيارة يمكن التحكم بها دون سائق؟
ج: جاءت من متابعتي للتطور الكبير في صناعة السيارات.
قلت لنفسي إن المستقبل للتكنولوجيا، ولا يمكن أن أبقى أتعامل فقط مع السيارات القديمة بالطرق التقليدية.
بدأت أبحث في التطورات التي تشهدها صناعة السيارات عالمياً، ووجهت دراستي وأبحاثي نحو الأنظمة الإلكترونية والتحكم الآلي.
س: كم استغرقت هذه الرحلة من الفكرة إلى التنفيذ؟
ج: بدأت مرحلة التعليم والبحث في عام 2023، واستمرت الدراسات والتجهيزات قرابة عامين.
بعد ذلك انتقلت إلى التنفيذ، وكانت هناك صعوبات كثيرة، وبعض المشكلات لم أتمكن من حلها إلا قبل تسليم المشروع بفترة قصيرة جداً.
س: في ظل الحرب وشح الإمكانيات، كيف تمكنت من توفير مكونات المشروع؟
ج: اعتمدت بدرجة كبيرة على المتاح محلياً.
استخدمت قطعاً مستعملة وخردة، وأعدت توظيف بعض المحركات والأجزاء بعد تعديلها لتتناسب مع الوظائف المطلوبة.
كما أن بعض المتحكمات الإلكترونية القابلة للبرمجة لم تكن متوفرة محلياً، فاضطررت إلى توفيرها من الخارج.
س: ما أصعب عقبة تقنية واجهتك؟
ج: كانت مشكلة عكس اتجاه دوران المحركات من أصعب المشكلات.
كنت أجري التجارب، وفي بعض المرات تحترق الدوائر الكهربائية وأخسر مبالغ ووقتاً.
وصلت إلى مرحلة شعرت فيها باليأس، لكنني تمكنت في النهاية من الوصول إلى الحل قبل تسليم المشروع بنحو ساعة أو ساعة ونصف تقريباً.
س: وهل واجهت مخاطر حقيقية أثناء اختبار السيارة؟
ج: نعم.
في إحدى التجارب كنت أتحكم بالسيارة عن طريق الهاتف، واتصل بي أحد الأشخاص أثناء التجربة، وفقدت السيطرة عليها.
تحركت السيارة وصعدت إلى الرصيف وصدمت ثلاثة أشخاص. والحمد لله مرت الحادثة بسلام، لكنها كانت تجربة قاسية ودرساً مهماً في ضرورة تطوير أنظمة الأمان والسيطرة.
س: عندما توصف السيارة بأنها «تعمل دون سائق»، هل يعني ذلك أنها ذاتية القيادة بالكامل؟
ج: لا. لا أريد أن أعطي المشروع أكثر من حجمه.
القيادة الذاتية الكاملة الموجودة في السيارات الحديثة عالمياً تحتاج إلى تقنيات ومستشعرات وبرمجيات ومراكز أبحاث متخصصة.
ما أنجزته هو نموذج يعتمد على التحكم الآلي والإلكتروني، ويمكن تطويره مستقبلاً إلى مستويات أكثر تقدماً.
س: ما مدى تأثير البيئة المرورية اليمنية على تطوير مثل هذه التقنية؟
ج: البيئة المرورية تمثل تحدياً كبيراً.
في الدول التي لديها أنظمة مرور واضحة وطرق منظمة، يمكن للأنظمة الذكية أن تتعامل مع المسافات والطريق والإشارات بشكل أفضل.
أما البيئة العشوائية، فتجعل تطبيق القيادة الذاتية الكاملة أكثر صعوبة وتحتاج إلى حلول وإمكانات إضافية.
س: لماذا اخترت تحديداً هذا المشروع؟
ج: لأنني أردت أن أواكب المستقبل، وأن أوجه خبرتي في السيارات نحو التكنولوجيا.
لكن المشروع أخذ بعداً إنسانياً أيضاً، خصوصاً بعد احتكاكي بجرحى الحرب وذوي الإعاقة.
س: كيف يمكن أن يخدم المشروع هذه الفئة؟
ج: هناك جرحى يستطيعون القيادة، لكن إصاباتهم تمنعهم من استخدام الدواسات أو التحكم التقليدي.
بعضهم طلب مني إيجاد طريقة تمكنه من التحكم بالسيارة من خلال يديه.
ومن هنا فكرت في تطوير المشروع لخدمتهم، بحيث يمكن مستقبلاً إضافة أنظمة تساعد الشخص على الصعود إلى السيارة والتحكم بها يدوياً أو عن بُعد.
س: هل تلقيت دعماً من جهات حكومية أو جامعات أو مؤسسات مختصة بالابتكار؟
ج: للأسف لم أتلقَّ دعماً.
وهذا يمثل مشكلة حقيقية، لأن المبتكر يستطيع أن يبدأ بإمكاناته الشخصية، لكنه يصل إلى مرحلة يحتاج فيها إلى مختبرات وتمويل وفريق متخصص.
س: إلى أين يمكن أن يصل المشروع إذا توفرت لك هذه الإمكانيات؟
ج: يمكن أن يصل إلى مستوى متقدم جداً.
أستطيع تطوير الجانب الإلكتروني والبرمجي، ورفع مستوى الأمان، وتطويره بشكل خاص لخدمة الجرحى وذوي الإعاقة.
لكن ذلك يحتاج إلى بيئة علمية ومختبرات وتمويل ودعم مؤسسي.
س: ماذا أضافت لك تجربة النزوح والإقامة في مأرب؟
ج: مأرب أصبحت جزءاً لا يتجزأ مني.
وصلنا إليها بحثاً عن الأمان، ووجدنا بين أهلها الكثير من الكرم والطيبة والتقبل.
وهنا استطعت أن أعيد ترتيب حياتي وأواصل التعليم والتطوير والعمل.
س: ما الرسالة التي توجهها إلى الشباب اليمني الذين توقفت دراستهم بسبب الحرب؟
ج: لا تجعلوا الحرب تسرق مستقبلكم.
حتى إذا توقفت الدراسة النظامية، هناك الإنترنت والتعليم الرقمي والعديد من وسائل التعلم.
طوروا مهاراتكم، واستثمروا أوقاتكم، وابحثوا عن تخصصات جديدة.
الشاب اليمني لديه طاقات كبيرة، لكنه يحتاج إلى توجيهها نحو البناء والعمل والتعلم.
س: ماذا تريد أن تقول من خلال هذه التجربة عن قدرة الشباب اليمني؟
ج: أريد أن أثبت أن الشاب اليمني قادر على العمل والإنتاج والابتكار.
هو يحتاج فقط إلى فرصة، وإلى من يوجه قدراته ويدعمه.
س: هل تعتقد أن مثل هذه التجارب يمكن أن تؤسس لجيل يمني يحول آثار الحرب إلى علم وابتكار؟
ج: بالتأكيد.
أنا لا أشرح فقط مشاكل الشباب اليمني، وإنما أحاول أن أشرح تطلعاتهم.
إذا كانت هذه الظروف الصعبة قادرة على إنتاج مثل هذا المشروع، فهذا يعني أن لدينا طاقات كبيرة.
وبالنسبة لي، كان هذا العمل وسيلة لتجاوز المحنة والظروف التي مررت بها.
س: في ختام هذا الحوار، ما رسالتك الأخيرة؟
ج: أتمنى أن تتجاوز اليمن هذه المحنة، وأن تعود البلاد إلى وضعها الطبيعي، وأن تبدأ مرحلة البناء.
وأتمنى أن ينظر الشباب إلى المستقبل بروح عالية، وأن يحصلوا على الفرصة التي تمكنهم من التعلم والابتكار وبناء مستقبلهم.