كتابات وآراء


الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 07:51 م

كُتب بواسطة : بدر باسلمه - ارشيف الكاتب



أكثر من عقد كامل من الزمن واليمن يئن تحت وطأة كابوس أسود لم تعرفه أجياله من قبل؛ عقد من التجريف المنهجي لهوية الأمة، والتنكيل الممنهج بأبناء الشعب، وتدمير مقدرات وطن أثقله الصراع وأنهكته الأطماع. وسط ركام الأزمات، وفي خضم صراع إقليمي ودولي معقد تتشابك فيه خيوط المصالح وتتقاطع الرؤى، تتكشف حقيقة واحدة لا تقبل الباطل ولا تحتمل التأويل، وهي أنه لا سبيل لسلام حقيقي، ولا أمل في استقرار مستدام، ولا خلاص لليمن وأهله والمنطقة من هذا العضو السرطاني المسمى بـ"المليشيا الحوثية"، إلا بقرار تاريخي حاسم يرتكز على وحدة الصف والانتهاز الفوري للفرصة الراهنة لاجتثاث هذا الخطر من جذوره.

وهم التسويات وهشاشة الرهانات

لقد أثبتت التجربة المريرة لسنوات طويلة من المفاوضات والمساعي السياسية أن الجماعات العقائدية التي تحمل مشروعاً سلالياً إقصائياً لا تؤمن بالسلام، ولا تعترف بالمواطنة المتساوية، ولا ترى في الهدن سوى محطات لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف للبطش بالمزيد.

إننا أمام جماعة تُغذَّى على ثقافة الموت والتمييز الطائفي، ومن المستحيل أن تتحول إلى شريك حقيقي في بناء دولة أو تحقيق تنمية؛ بل إن خطرها لا يقتصر على الجغرافيا اليمنية وحدها، بل يمتد ليكون خنجراً في خاصرة الأمن القومي العربي وتهديداً مباشراً للملاحة الدولية وطرق التجارة العالمية. إن الركون إلى الحلول الرخوة أو الرهان على تغير سلوك هذه المليشيا عبر التنازلات ليس سوى ترحيل للأزمة، ومزيد من التضحية بالضحايا على مذبح الأوهام.

وهم التسوية مع السرطان: صفقة الخسران المُبين

في خضم هذه المعركة الوجودية، يبرز خطر فكري وسياسي لا يقل خطورة عن طلقة الرصاص؛ إنه وهم الرهان على إمكانية إبرام صفقات سياسية، أو الارتماء في أتون تفاهمات مؤقتة مع جماعة لا تعرف عهداً ولا ذمة. إن بعض الكيانات السياسية او القبلية، ومنها قوى جنوبية تعتقد واهمة أنها قادرة على بناء مسار خاص أو قطف مكاسب آنية عبر مهادنة الحوثي، إنما تسلم رقابها بيد من لا يرحم، وتوقع صك انتحارها السياسي والتاريخي بوعود واهية لا تعدو كونها فقاعات صابون. إن من يظن أن المليشيا الحوثية يمكن أن تلتزم بعهد أو تحترم اتفاقاً فهو يعيش في غياهب الوهم، فتاريخهم مليء بالطعنات في ظهور حلفائهم، والمشروع الحوثي التوسعي لا يقيم وزناً لقضية جنوبية ولا لشمالية، بل يهدف إلى ابتلاع المنطقة برمتها. إن جغرافيا اليمن متشابكة لدرجة تمنع أي جزء منه من النجاة بمفرده، وإن الرهان على الحوثي هو أشبه بمن يستجير من الرمضاء بالنار.

اللحظة التاريخية.. حتمية استغلال التغيرات الإقليمية والدولية

تمر المنطقة اليوم بتحولات استراتيجية كبرى أعادت رسم خارطة التحالفات والاهتمامات الدولية، وهي تحولات تفرض على القوى الوطنية اليمنية بمختلف تشكيلاتها قراءة المشهد بوعي وبصيرة نافذة. إننا نعيش نافذة فرصة حقيقية، حيث بدأ الغطاء السياسي المضلل الذي استغله الحوثيون طويلاً يتلاشى، وتكشف مشروعهم التخريبي أمام الرأي العام العالمي. إن المسؤولية التاريخية اليوم باتت مضاعفة، فأي تباطؤ في توحيد الجهود يعني إطالة أمد عذاب ملايين اليمنيين الذين يواجهون الجوع والمرض والقمع الممنهج يومياً، وهو ما يفرض علينا ضرورة استثمار هذا الزخم السياسي لتحويل دفة الصراع.

وحدة الصف.. السلاح الأقوى في معركة المصير

لا يمكن لبناء وطني أن يرتفع، ولا لعدوان سلالي أن ينكسر، وأهل البيت الواحد متفرقون والصفوف متصدعة. إن وحدة الصف الوطني لم تعد مجرد خيار سياسي تكتيكي، بل أصبحت فريضة وطنية وضرورة وجودية تمليها دماء الشهداء وأنين الجرحى ومعاناة الملايين.

إن النصر لا يصنعه التمني، بل تصنعه الإرادة الصلبة، والاعتصام بحبل الوطن، وتجاوز الخلافات الثانوية أمام عظم المعركة المصيرية الكبرى. يتطلب منا الأمر اليوم توحيد البندقية والقرار نحو بوصلة واحدة هي استعادة الدولة وإسقاط الانقلاب، مع ضرورة الالتفاف الشعبي والوطني حول مشروع الجمهورية والهوية العربية لقطع الطريق أمام محاولات التمزيق التي تخدم العدو وحده.

ختاما.. لا خيار سوى الاستئصال

إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والشعوب الحية لا تموت مهما اشتدت المحن، واليمن يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مواجهة حاسمة وشجاعة تُنهي هذا الكابوس الأبدي وتعيد للوطن اعتباره وكرامته، أو الاستسلام لدوامة من الانهيار الشامل التي لن تبقي ولن تذر. لقد حانت اللحظة لتتوحد السواعد، وتلتقي الإرادات، وينتفض الجسد اليمني كله ليقذف بهذا العضو السرطاني خارج التاريخ والجغرافيا. إنها معركة الوجود الأبدي، ولا بديل عن النصر.