اخبار وتقارير

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - الساعة 10:20 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - احمد حوذان

أكد حقوقيون وأكاديميون وصحفيون يمنيون أن جريمة الإخفاء القسري التي تمارسها جماعة الحوثيين بحق المدنيين لم تعد مجرد حالات فردية أو تجاوزات معزولة، بل تحولت، وفق شهاداتهم، إلى منظومة قمع ممنهجة تستهدف الإنسان وحريته وكرامته، وتستخدم لترهيب المجتمع وإسكات الأصوات المعارضة.
وقال المتحدثون إن الجريمة لا تنتهي عند لحظة اقتياد الضحية إلى مكان مجهول، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش معاناة مفتوحة، معلقة بين احتمال عودة الغائب والخوف من موته، في ظل غياب المعلومات وانقطاع التواصل لسنوات.
جاء ذلك في تصريحات وشهادات حقوقية وإعلامية بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يصادف 30 أغسطس من كل عام، تناولت واقع المعتقلين والمخفيين قسراً في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين منذ انقلابها على مؤسسات الدولة في سبتمبر 2014.

الزبيري: جرائم جسيمة تستهدف المجتمع

وقال فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، إن الإخفاء القسري الذي تمارسه جماعة الحوثيين بحق المدنيين يمثل، وفق توصيفه، جرائم جسيمة، مشيراً إلى أن الضحايا لا يقتصرون على الرجال، بل تشمل الانتهاكات النساء والأطفال وكبار السن والسياسيين والأطباء والمهندسين والنخب المجتمعية.
وأضاف أن هذه الممارسات تهدف إلى "إرهاب المجتمع"، معتبراً أنها تتجاوز استهداف الأفراد إلى محاولة تجريف المجتمع من هويته الوطنية والدينية.
وطالب الزبيري الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بممارسة ضغط حازم على جماعة الحوثيين للكشف عن مصير المخفيين قسراً في سجونها، والإفراج عنهم، ومحاسبة المتورطين في هذه الجرائم.

العسلي: الإخفاء لم يطل الإنسان وحده

من جانبه، وصف الأستاذ الجامعي الدكتور علي العسلي الإخفاء القسري بأنه أصبح، بحسب تعبيره، "ثقافة" ونهجاً لدى جماعة الحوثيين، مؤكداً أن الظاهرة لم تتوقف عند تغييب الأشخاص، وإنما امتدت إلى مؤسسات الدولة والسلطة والدستور والشرعية والمعسكرات.
وانتقد العسلي ما وصفه بالعجز الدولي عن حماية المخفيين، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والمنظمات ذات العلاقة بحقوق الإنسان لم تتمكن، وفق قوله، من إخراج موظفين تابعين لها مخفيين لدى الحوثيين في صنعاء.
ودعا المنظمات الحقوقية والدولية إلى أداء دورها في حماية الإنسان اليمني، والضغط للكشف عن قوائم المحتجزين والمخفيين، وتمكين أسرهم من التواصل معهم ومعرفة أوضاعهم الصحية والإنسانية.
ورأى أن استمرار الإخفاء القسري يجب أن يكون دافعاً للحكومة والقوى المناهضة للحوثيين للإسراع في استعادة الدولة والجمهورية ومؤسساتها، وإنهاء سيطرة الجماعة على المعتقلين والمخفيين.

العمدة: الجريمة تقتل اليقين وتبقي الأسرة رهينة الانتظار

أما محمد العمدة، رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، فوصف الإخفاء القسري بأنه جريمة لا تنتهي بانتهاء فعل الاعتقال، بل تستمر آثارها على الضحية وأسرته لسنوات.
وقال إن الجريمة تبدأ باقتحام المنزل أو مكان العمل واقتياد الشخص أمام أسرته، ثم نقله إلى مكان مجهول، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من الانتظار؛ لا مكالمة، ولا زيارة، ولا محامٍ، ولا معلومة تؤكد للأسرة أن ابنها لا يزال على قيد الحياة.
وأضاف أن الأم تظل تنتظر، والزوجة تعيش على أمل عودة الغائب، بينما يكبر الأطفال وهم يحملون صورة آبائهم دون معرفة مصيرهم، معتبراً أن "أقسى ما في الإخفاء القسري هو قتل اليقين وترك الأسرة رهينة الانتظار".
وأشار العمدة إلى أن سجون الحوثيين تحولت، بحسب وصفه، إلى "مصنع للرعب"، تُنتزع فيها الاعترافات تحت التعذيب والإكراه، وتتفاقم معاناة المعتقلين المرضى الذين يحتاجون إلى أدوية ورعاية صحية مستمرة.
وتحدث عن حالات قال إنها تجسد استمرار هذه الممارسات، من بينها الناشطة سحر الخولاني، التي قال إن أسرتها لا تزال تجهل مكان احتجازها، والمحامي والحقوقي عبدالمجيد صبرة، الذي قال إنه تعرض للاعتقال والإخفاء عقب قيامه بدوره القانوني في الدفاع عن المعتقلين.
كما أشار إلى رصد حالات وفاة داخل السجون نتيجة التدهور الصحي أو التعذيب النفسي والجسدي، مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لإنقاذ المخفيين والمختطفين والإفراج عنهم.

الجبيحي: الإخفاء أداة لترهيب الناس

وفي شهادة من واقع تجربة الاعتقال، قال الصحفي والمعتقل السابق حمزة الجبيحي إن الإخفاء القسري يمثل جزءاً أساسياً من سياسة القمع التي تنتهجها جماعة الحوثيين لترهيب الناس وتكميم أفواههم وتقييد حرياتهم.
وأوضح أن آثار الجريمة لا تقع على المعتقل وحده، وإنما تمتد إلى أسرته التي تعيش في حالة خوف دائم، لا تعرف أين احتُجز قريبها، ولا كيف يعيش، ولا ما إذا كان سيعود إليها.
وأكد الجبيحي أن الإخفاء القسري جريمة مجرّمة دولياً، داعياً إلى موقف حازم تجاه ممارسات الحوثيين.
وحذر من أن استمرار هذه الانتهاكات يترك آثاراً عميقة في المجتمع اليمني، مشيراً إلى أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن ما خلفته من ألم وغضب واحتقان سيبقى حاضراً في الذاكرة المجتمعية.

اليوسفي: الإخفاء يتبع التعذيب لإخفاء آثار الجريمة

بدوره، استعاد الصحفي والمعتقل السابق هشام اليوسفي تجربته داخل سجون الحوثيين، مؤكداً أن الإخفاء القسري كان من أقسى مراحل الاحتجاز، خصوصاً في لحظاته الأولى.
وقال اليوسفي إن المعتقلين تعرضوا، وفق شهادته، للتعذيب النفسي والجسدي، مشيراً إلى أن الجماعة كانت تلجأ إلى إخفائهم عقب عمليات التعذيب حتى لا تتمكن أسرهم من رؤية آثار الضرب والانتهاكات على أجسادهم عند السماح بالزيارة.
ولفت إلى أن عشرات المختطفين لا يزالون في عداد المخفيين قسراً، مستشهداً بالصحفي وحيد الصوفي، الذي قال إنه لا يزال مخفياً منذ أكثر من عشرة أعوام.

ملف مفتوح.. وضحايا ينتظرون الحقيقة

وتتقاطع شهادات الحقوقيين والأكاديميين والصحفيين عند حقيقة واحدة: الإخفاء القسري لا يسلب الضحية حريته فقط، بل يصادر حق أسرته في معرفة الحقيقة، ويحول الانتظار إلى معاناة يومية مفتوحة على كل الاحتمالات.
ومع إحياء اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، جدد المتحدثون مطالباتهم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالضغط على جماعة الحوثيين للكشف عن مصير جميع المخفيين قسراً، والسماح للمنظمات الحقوقية بالوصول إليهم، وضمان حقهم في التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وتوفير الرعاية الصحية لهم، والإفراج عن المعتقلين والمختطفين.
وفي بلد أنهكته سنوات الحرب، لا تزال خلف كل اسم مخفي قسراً أسرة معلقة بين الأمل والخوف، تنتظر إجابة عن السؤال الأكثر قسوة: أين الغائب؟ وهل ما زال حياً؟