صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
لا يمكن لعاقل أن يصدق أن مليشيا الحوثي تظن أنها قادرة على كسب المعركة وتحقيق الانتصار، وهي تدرك قبل غيرها أنها فقدت كثيرًا من حاضنتها الشعبية، وأن مشروعها لم يعد يجد قبولًا لدى قطاعات واسعة من اليمنيين. ومع ذلك، تواصل المليشيا الزج بأبناء القبائل في معارك خاسرة، وتحويلهم إلى وقود لحرب تخدم مشروع إيران في اليمن.
وفي فجر الخميس، دفعت مليشيا الحوثي بأكبر محاولة هجومية لها في المنطقة، بعد تجهيزات عسكرية وبشرية مكثفة، سعت من خلالها إلى إحداث اختراق في الجبهة الفاصلة بين قوات محور تعز والقوات المرابطة في الساحل الغربي، بما يفتح الطريق أمام محاولة التقدم باتجاه باب المندب.
ولم يكن الهجوم تحركًا عابرًا؛ فقد سبقه تمهيد صاروخي ومدفعي وهجمات بالطائرات المسيّرة واستهداف لأكثر من منطقة، بينها ريف المخا والوازعية وجبهة جبل حبشي، في محاولة لخلق حالة من الإرباك والضغط على أكثر من محور في وقت واحد.
لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا تمامًا عن حسابات المليشيا.
فبعد ساعات طويلة من الهجوم المتواصل، وتتابع الموجات البشرية التي كانت تدفع بها المليشيا من مواقعها الخلفية إلى خطوط المواجهة، انكسرت الهجمات تباعًا، وفشلت محاولات الاختراق، وانتهت العملية دون تحقيق الهدف الذي أُعدت له.
وتزداد أهمية هذه المعركة بالنظر إلى المكان الذي اختارته المليشيا لتنفيذ هجومها؛ منطقة فاصلة بين قوات محور تعز والقوات التابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي، بما يوحي بأن أحد أهداف العملية كان محاولة فصل الجبهتين وإضعاف قدرة القوات على العمل بصورة متكاملة.
لكن هذه الحسابات اصطدمت بواقع مختلف.
فالمقاومة الوطنية وقوات الجيش والمقاومة الشعبية وأبناء تعز كانوا أمام اختبار حقيقي، وأثبتت المواجهة أن محاولة تقسيم الجبهات وعزلها عن بعضها لم تعد ورقة سهلة يمكن للحوثيين استخدامها.
ومن مأرب، كانت المدفعية تضرب أوكار المليشيا، بينما كانت الجبهات الأخرى تخوض مواجهتها، في مشهد يؤكد أن خطوط القتال، رغم تباعدها جغرافيًا، باتت تتقاطع في مواجهة مشروع واحد يسعى إلى فرض نفسه بالقوة على اليمنيين.
وهنا تكمن أهمية الهجوم الحوثي الأخير.
فالمليشيا لم تعتمد على وسيلة واحدة، بل حشدت تجهيزًا بشريًا وناريًا، واستخدمت التمهيد الصاروخي والمدفعي والطائرات المسيّرة، ودَفعت بأفواج متتالية من المقاتلين إلى خطوط النار.
ومع ذلك، لم تتمكن من تحقيق اختراق استراتيجي.
وهذه النتيجة لا تحمل دلالة عسكرية فقط، بل تحمل أيضًا دلالة سياسية ونفسية؛ إذ إن المليشيا اختارت توقيتًا حساسًا، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على إيران ومشروعها، وكانت بحاجة إلى تحقيق إنجاز ميداني يمنحها ورقة جديدة للمناورة والضغط.
لكن الهجوم انتهى بالفشل.
ومن الواضح أن الحوثيين أرادوا من التصعيد أكثر من مجرد تحقيق تقدم ميداني؛ فقد سعت المليشيا إلى إظهار قدرتها على فتح جبهة واسعة وتهديد الممرات الحيوية، وربما الاقتراب من باب المندب إذا تمكنت من إحداث اختراق في خطوط الدفاع.
غير أن فشل العملية أضعف هذه الورقة، وأظهر أن امتلاك القدرة على إطلاق هجوم واسع لا يعني امتلاك القدرة على حسمه.
كما يكشف توقيت التصعيد جانبًا آخر من الحسابات الحوثية؛ فالمليشيا تبدو أكثر خشية من انتقال المبادرة العسكرية إلى الطرف الآخر، وبدء معارك هجومية واسعة تستهدف استعادة المناطق التي تسيطر عليها، ولذلك تحاول عبر الهجمات الاستباقية إرباك خصومها وكسب الوقت وإعادة ترتيب صفوفها.
ومن هنا يمكن قراءة الهجوم باعتباره محاولة لتأجيل معركة أكبر، أكثر منه محاولة لحسم الحرب.
فكلما شعرت المليشيا بأن ميزان المبادرة قد ينتقل إلى خصومها، لجأت إلى فتح جبهة أو تصعيد أخرى، بهدف تشتيت الخصوم ومنعهم من الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
لكن محاولة كسب الوقت لا تعني تغيير مسار المعركة.
فالحديث عن حوارات خلف الكواليس، أو محاولات لشراء الوقت سياسيًا، لن يلغي أصل الأزمة اليمنية المتمثل في الانقلاب على الدولة ومؤسساتها. وأي تسوية لا تعالج جذور الصراع وتعيد الاعتبار للدولة ستظل معرضة لأن تتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من الحرب.
لقد أثبتت معركة فجر الخميس أن كثافة السلاح والعدد وحدهما لا يصنعان انتصارًا.
فالمليشيا تستطيع أن تحشد المقاتلين وتفتح نيرانًا كثيفة وتدفع بأبناء القبائل إلى خطوط الموت، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها صناعة قبول شعبي أو تحويل مشروع مسلح إلى مشروع وطني.
وفي المقابل، أثبت تماسك الجبهات وتكامل القوات ووعي المجتمع بخطورة المشروع الحوثي أن محاولة اختراق جبهة واحدة أو فصلها عن الأخرى لن تكون مهمة سهلة.
لقد خابت حسابات الحوثيين وتبخرت أحلام الاختراق.
والرسالة الأهم التي تحملها هذه المعركة أن المشروع الذي يعتمد على التعبئة القسرية والزج بأبناء اليمن في محارق الحرب لا يستطيع بناء انتصار مستدام.
قد تؤجل المليشيا المواجهة، وقد تفتح جبهات جديدة، وقد تبحث عن مخارج سياسية لكسب الوقت، لكنها لن تستطيع إلغاء حقيقة أن قضية استعادة الدولة ستبقى حاضرة، وأن إنهاء الانقلاب سيظل مطلبًا سياسيًا وعسكريًا لدى خصومها.
أما صنعاء، فستبقى في صلب أي معركة تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة المليشيا.
إن هجوم فجر الخميس لم يكن مجرد معركة خسرها الحوثيون في الميدان؛ بل كان اختبارًا لقدرتهم على تنفيذ عملية هجومية واسعة في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وقد جاءت النتيجة لتكشف حدود القوة التي تراهن عليها المليشيا.
والأهم من ذلك أن الهجوم كشف حجم القلق الحوثي من المرحلة المقبلة.
فحين تحشد المليشيا هذا القدر من القوة، وتفتح أكثر من محور، وتستخدم الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، ثم تنتهي العملية دون تحقيق هدفها الرئيسي، فإنها لا تثبت فقط قدرتها على التصعيد، بل تكشف أيضًا أنها تخشى فقدان المبادرة.
ولهذا فإن معركة فجر الخميس قد لا تكون نهاية التصعيد، لكنها بالتأكيد كشفت أن الطريق إلى الحسم ليس كما تتصوره المليشيا.
فالمعركة التي يحاول الحوثيون تأجيلها قد تتأخر، لكنها لن تختفي، ومهما طال استخدام القوة لفرض الأمر الواقع، فإن اليمن سيبقى بحاجة إلى دولة، لا إلى مليشيا، وإلى سلام قائم على استعادة مؤسسات الدولة، لا على تكريس الانقلاب.