صدى الساحل - بقلم - مطيع سعيدسعيدالمخلافي
تشهد المناطق والمحافظات الواقعة تحت سيطرة المليشيا الحوثية منذ أشهر حالة من الفوضى العارمة والانفلات غير المسبوق، في مشهد يكشف حجم العبث المنظم بمؤسسات الدولة وحياة المواطنين وممتلكاتهم ومصادر أرزاقهم في مختلف المجالات.
لقد بات الجانب الأمني في تلك المناطق نموذجاً صارخاً للفشل والانهيار، حيث تتضاعف الأحداث الدموية وتتصاعد الاشتباكات بين عصابات المليشيا والقبائل في عدد من المحافظات، وفي مقدمتها عمران وصنعاء والجوف ورداع وذمار، وسط غياب كامل لأي سلطة قانون حقيقية تضبط الأمن وتحمي الناس.
ولم تتوقف جرائم العنف عند حدود الصراع مع القبائل، بل امتدت لتطال المجتمع نفسه، حيث تتزايد جرائم القتل التي تمارسها عناصر المليشيا بصورة مفرطة ومروعة، حتى أصبحت الخلافات الداخلية بينهم تحسم بالسلاح ونتهي بسفك الدماء، بما في ذلك حوادث قتل طالت أقرب الناس إليهم من آباء وإخوة وأبناء.
وفي موازاة هذا الانفلات، تتصاعد وتيرة القمع والترهيب والاختطافات والاعتقالات التعسفية بشكل غير مسبوق، حيث تمتلئ السجون بالمختطفين، ويتعرض الكثير منهم للتعذيب والمعاملة القاسية، مع تزايد حالات اختطاف النساء بشكل لافت، في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية والأعراف الاجتماعية.
ومن جانب آخر، تتسع دائرة النهب والسطو على الممتلكات العامة والخاصة، حيث تنفذ عصابات الحوثي عمليات استيلاء واسعة على أراضي الوقف، بما في ذلك المقابر والأسواق، وتقوم بتأجير المنشآت الحكومية وأرصفة الشوارع وحتى مقرات الأندية الرياضية، في مشهد يعكس عقلية النهب المنظم وتحويل مؤسسات الدولة إلى مصادر تمويل خاصة.
أما القطاع التعليمي، فقد تحول إلى ساحة للفوضى والتجهيل الممنهج، حيث تدار المدارس والمعاهد والجامعات بمتطوعين غير مؤهلين، وتستخدم المؤسسات التعليمية كمنصات لنشر الفكر الطائفي وإقامة الدورات التعبوية، في حين أصبحت فرص القبول والنجاح مرتبطة بحضور الدورات الصيفية الطائفية والمشاركة في الأنشطة والمظاهرات ذات الطابع الأيديولوجي.
ولم يسلم القطاع القضائي من هذا العبث، إذ يشهد فساداً وفوضى غير مسبوقة، حيث تدار مؤسساته بتوجهات طائفية واضحة، وتصدر الأحكام بصورة انتقائية وعنصرية، بما يخدم مشاريع المليشيا التخريبية ويخالف مبادئ العدالة وأسس الشريعة والنظام والقانون.
إن ما يجري في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية لم يعد مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء عابرة، بل أصبح منظومة فوضى متكاملة تضرب أساس الدولة وتدمر النسيج الاجتماعي، وتدفع بالمجتمع نحو مزيد من الانهيار والمعاناة.
وفي ظل هذا الواقع المأساوي، يبقى المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة، يدفع ثمن الفوضى والفساد والقمع، بينما تتسع دائرة الانهيار يوماً بعد آخر، في ظل غياب أي أفق حقيقي لوقف هذا العبث واستعادة مؤسسات الدولة وهيبتها.