كتابات وآراء


الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 07:31 م

كُتب بواسطة : عبدالجبار سلمان - ارشيف الكاتب


لم يعد تغييب تهامة عن القرار السياسي مجرد خلل عابر في بنية الدولة، بل أصبح سياسة ممنهجة، وإقصاءً متعمّدًا، يرقى إلى مستوى الظلم التاريخي الذي يُعاد إنتاجه بوجوه جديدة وشعارات براقة. فتمثيل تهامة في مراكز صنع القرار ليس فضلًا من أحد، ولا منحة تُصرف عند الضرورة، بل حق وطني أصيل لا يقبل الجدل أو التأجيل أو المساومة. إن أي حديث عن شراكة وطنية، أو دولة مواطنة، أو مرحلة انتقالية، في ظل استمرار إقصاء تهامة، ليس سوى خطاب استهلاكي فاقد للمصداقية. فالشراكة التي تُبنى على تغييب مكون وطني كامل، بحجم تهامة وثقلها السكاني والجغرافي والتاريخي، ليست شراكة، بل احتكار مقنّع للسلطة. تهامة ليست جغرافيا منسية بالصدفة، بل منطقة جرى دفعها عمدًا إلى الهامش. هذه الرقعة اليمنية الضاربة في عمق التاريخ، تحوّلت بفعل سياسات الإقصاء إلى مثال صارخ على كيف تُدار الدولة بعقلية الغلبة لا بعقلية المواطنة. وعلى مدى عقود، جرى التعامل مع تهامة كخزان بشري يُستدعى عند الحاجة، لا كشريك يُحتكم إليه عند اتخاذ القرار. لقد تراكمت مظلومية تهامة عبر الزمن، حتى باتت قضية وطنية مؤجلة، يتم تجاوزها في كل تسوية، وتجاهلها في كل مرحلة، وكأن إنصافها رفاه سياسي يمكن الاستغناء عنه. وهذا التجاهل لم يكن بريئًا، بل كان جزءًا من منظومة حكم كرّست التفاوت، وأعادت توزيع السلطة والثروة على أسس لا علاقة لها بالعدالة أو الكفاءة. عانت تهامة من حرمان سياسي واضح، وغياب شبه كامل عن مراكز صنع القرار، فلم تحظَ بتمثيل عادل في مؤسسات الدولة، ولا بموقع يتناسب مع وزنها الحقيقي. وفي الوقت ذاته، تعرضت لتهميش اقتصادي خانق، حرم أبناءها من أبسط حقوقهم في التنمية والخدمات، وأغرق مناطقها في الفقر والإهمال، رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية، وموانئ، وموقع استراتيجي، كان يفترض أن يجعلها ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. إن ما جرى لتهامة ليس فشلًا إداريًا، بل سياسة إقصاء واضحة المعالم، جعلت الإنسان التهامي يدفع ثمن الدولة مرتين مرة حين حُرم من حقوقه، ومرة حين طُلب منه الدفاع عن وطن لم ينصفه. رغم كل هذا الظلم، لم تتخلَّ تهامة عن واجبها الوطني. كان أبناؤها، ولا يزالون، في مقدمة المدافعين عن الجمهورية، يقاتلون في مختلف الجبهات، ويقدمون الشهداء تلو الشهداء دفاعًا عن اليمن، ومواجهة لمشاريع الخراب، وفي مقدمتها ميليشيا الحوثي.