صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
يمرّ اليوم على اليمنيين حدثٌ تاريخيّ لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه كحدثٍ عابر في الذاكرة الوطنية. إنه اليوم الذي اختار فيه اليمنيون، لأول مرة، أن يكتبوا مصيرهم بأيديهم، لا بالسلاح ولا بالوصاية، بل بصناديق الاقتراع. في عام 1993، وقف اليمنيون في طوابير طويلة، يحملون أملاً كبيراً بدولة مدنية، تتسع للجميع، وتُدار عبر التعددية السياسية والتنافس الديمقراطي.
ومنذ ذلك اليوم وحتى اليوم، مضت 33 عاماً (1993–2026)، كانت كفيلة بأن تكشف المسافة الشاسعة بين الحلم والواقع، وبين ما كان يُفترض أن يكون دولةً مدنيةً حديثة، وما آل إليه المشهد من حربٍ وانقسامٍ وتآكلٍ في مؤسسات الدولة.
في تلك اللحظة التاريخية، لم يكن اليمن مجرد بلد ناشئ ديمقراطياً، بل كان تجربة واعدة في محيط مضطرب. جاءت الانتخابات البرلمانية بعد الوحدة اليمنية عام 1990، وبعد إرث ثورتي سبتمبر وأكتوبر، لتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: التعددية، حرية الرأي، التداول السلمي للسلطة، واحترام إرادة الناس.
كان اليمنيون يطوون صفحة طويلة من الصراعات، ويبدؤون فصلاً جديداً من الشراكة الوطنية. تعددت الأحزاب، تنوعت البرامج، وارتفع صوت المواطن كقيمة حقيقية في معادلة الحكم. لم يكن ذلك مثالياً، لكنه كان بداية صحيحة، ونقطة ضوء في تاريخ بلد عانى كثيراً.
كما شهدت تلك المرحلة تحولاً اجتماعياً مهماً، إذ بدأ الإنسان اليمني يتجاوز إرث الجهل ومخلفات الحكم الإمامي الذي حكم لعقود طويلة، بما حمله من عزلٍ للناس عن التعليم والسياسة والحياة العامة. ومع انفتاح المجال العام، تشكل وعي جديد لدى المواطن، يقوم على فكرة المشاركة لا التبعية، والاختيار لا الإكراه.
وكانت المرأة اليمنية جزءاً أساسياً من هذا التحول؛ إذ انتقلت من واقع التهميش والغياب إلى فضاءات التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، لتصبح عنصراً فاعلاً في الحياة العامة، وصوتاً حاضراً في التغيير، بعد أن كانت لعقود طويلة محاصرة بقيود اجتماعية وسياسية صارمة.
لكن، ماذا حدث بعد ذلك؟
كيف تحوّل هذا المشهد خلال ثلاثة عقود فقط، من بلد يتنفس السياسة إلى بلد يختنق بها؟
الإجابة تكمن في التحولات التي قادت إلى تقويض تلك التجربة، وصولاً إلى الانقلاب الذي نفذته جماعة الحوثي، والذي لم يكن مجرد حدث سياسي، بل نقطة انكسار شاملة لكل ما بُني سابقاً.
فمع سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014 بالقوة المسلحة، دخل اليمن مرحلة جديدة اتسمت بتفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها وفق رؤية أحادية، تقوم على الإقصاء لا الشراكة، وعلى السيطرة لا التعدد.
لم تكتفِ الجماعة بإسقاط مؤسسات الدولة، بل عملت على إعادة هندسة المجتمع نفسه. فقد تم إضعاف الأحزاب السياسية وتهميشها، وإلغاء المساحة المتاحة للعمل السياسي التعددي، ما أنهى عملياً روح التنافس التي قامت عليها التجربة الديمقراطية.
كما فُرض واقع إداري وأمني قائم على الولاء، وتم توسيع نفوذ الأجهزة التابعة للجماعة على حساب مؤسسات الدولة، الأمر الذي أدى إلى تفكك البنية الإدارية وتحول الدولة إلى كيانات متوازية وضعيفة وغير مترابطة.
وفي الجانب الاقتصادي، أدت الحرب إلى انهيار واسع، تمثل في توقف الرواتب في مناطق سيطرة الجماعة لفترات طويلة، وتدهور العملة، وفرض جبايات متعددة على المواطنين والتجار، ما انعكس مباشرة على حياة الناس وزاد من معدلات الفقر والجوع.
أما في الجانب الاجتماعي والفكري، فقد شهدت البلاد تضييقاً واسعاً على الحريات العامة، شمل الإعلام والصحافة والنشطاء، إلى جانب تغييرات في المناهج التعليمية وإعادة توجيهها بما يخدم رؤية فكرية واحدة، ما أضعف التنوع الثقافي والفكري الذي كان أحد أهم مكتسبات المرحلة السابقة.
كما تراجعت مكانة المرأة اليمنية في عدد من المناطق، بعد أن كانت قد بدأت تشهد حضوراً متصاعداً في التعليم والعمل والحياة العامة، لتجد نفسها مجدداً أمام قيود تحد من مشاركتها ودورها في المجتمع.
وهكذا، لم يكن إجهاض الديمقراطية في اليمن حدثاً لحظياً، بل مساراً تراكمياً انتهى إلى تحويل الدولة من مشروع شراكة وطنية إلى ساحة صراع مفتوح، وتراجع فيها حلم اليمنيين الذي بدأ عام 1993 بدولة تقوم على التعددية والاختيار الحر.
ومع ذلك، تبقى تلك اللحظة شاهداً على أن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به، جرّب يوماً أن يكون صوته هو الأساس، وأن قراره بيده، وأن المستقبل يمكن أن يُبنى على الشراكة لا الإقصاء.