صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
سأكتب عن عامل اليمن، ذلك الذي لم تمنحه الحرب إلا مزيداً من التعب، ولم تمنحه السياسة إلا مزيداً من الانتظار، ولم تمنحه الحياة إلا كفّاً متعبة وقلباً لا يعرف التوقف.
ومنذ أن أشعلت جماعة الحوثي الحرب، وانقلبت على الدولة، ودخلت البلاد في دوامة الصراع، تغيّر كل شيء في حياة اليمنيين، وكان العامل أول من دفع الثمن، وآخر من يُذكر في قائمة الاهتمام. فهذه الحرب لم تترك مهنة إلا وأثقلت كاهلها، ولا بيتاً إلا وأدخلته في دائرة العجز، ولا عاملاً إلا وأصبح يقاتل يومه بلا سلاح سوى الصبر.
بعد 2011، ثم ما تبعها من انقلاب وما تلاه من حرب طويلة، لم يعد العامل يعيش حياة طبيعية، بل أصبح يواجه واقعاً مفروضاً بالقوة، أنهكته السياسات، وأضعفته الفوضى، وضيّقت عليه سبل العيش في كل اتجاه.
اليوم نكتب عن اليد التي لا يراها أحد، لكنها ما تزال تمسك بهذا الوطن من حافة الانهيار كل يوم.
نكتب عن عامل اليمن، ذلك الذي لم تترك له الحرب التي أشعلتها جماعة الحوثي سوى مزيد من الإرهاق، ولم تترك له السياسة سوى مزيد من الانتظار، ولم تترك له الحياة سوى كفٍ مثقلة بالعمل وقلبٍ لا يعرف التوقف.
منذ انقلاب الحوثيين ودخول البلاد في حرب طويلة امتدت آثارها إلى كل تفاصيل الحياة، تغيّرت معادلة العيش في اليمن بالكامل، وكان العامل في مقدمة من دفع الثمن. لم يعد الحديث عن تحسين ظروف العمل ممكناً، بل أصبح الحديث عن البقاء نفسه هو الأولوية.
في مناطق سيطرة الحوثيين شمال البلاد، يواجه العمال واقعاً اقتصادياً وأمنياً بالغ القسوة. انهيار الأجور، وتراجع فرص العمل، وارتفاع الأسعار بشكل متسارع، إلى جانب القيود الأمنية والمخاوف المستمرة، جعلت العامل يعيش في دائرة ضغط يومي لا تنتهي. يخرج إلى عمله وهو محاصر بالقلق، ويعود إلى منزله مثقلاً بخيبة يوم جديد، في ظل سلطة حرب أعادت تشكيل تفاصيل الحياة بالقوة، وضيّقت هامش العيش إلى حدوده الدنيا.
وفي المقابل، لا تبدو الصورة في مناطق الحكومة الشرعية أقل تعقيداً، وإن اختلف شكلها. الانقسام النقدي وتدهور العملة انعكسا بشكل مباشر على القوة الشرائية، فبات الراتب الشهري غير قادر على تغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة واحدة. عامل يقضي شهره كاملاً في العمل، ثم يجد نفسه أمام دخل لا يوازي حجم الجهد المبذول، بينما تتصاعد الأسعار وتضيق القدرة على التكيف يوماً بعد يوم.
ويزداد المشهد قسوة بالنسبة للعمال الذين يعملون في مناطق الشرعية بينما أسرهم في مناطق سيطرة الحوثيين، إذ يضطرون لتحويل جزء من دخلهم عبر شبكات تحويل مالية تستنزف نسبة كبيرة من المبلغ تحت مسمى “عمولات التحويل”، ما يعني أن جزءاً من الراتب يضيع قبل أن يصل إلى الأسرة، ليبقى ما تبقى غير كافٍ أصلاً لتغطية الاحتياجات الأساسية، في دائرة إنهاك مضاعفة بين الدخل المنخفض والتكلفة المرتفعة.
وما بين الشمال والجنوب، وبين سلطتين وواقعين اقتصاديين متباينين شكلاً ومتشابهين وجعاً، يبقى العامل هو الخاسر الأكبر في معادلة الحرب. لا صوت له في حسابات السياسة، ولا حضور له في أولويات الحلول، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يستمر في العمل رغم الانهيار، ويكافح رغم الانقطاع، ويقاوم رغم ضيق الخيارات.
هو الذي يبدأ يومه قبل طلوع الشمس، وينهيه بعد أن تهدأ المدن، ثم ينام على قلق الغد لا على راحة الحاضر. يحمل عبء أسرته، وضغط معيشته، وأسئلة لا يجد لها إجابة واضحة: كيف يستمر؟ وإلى متى؟
كم من عامل يخرج إلى عمله دون أجرة مواصلات؟ وكم من عامل يعود إلى بيته دون قدرة على شراء دواء لطفل مريض؟ وكم من عامل يختبئ خلف صمته كي لا ينكسر أمام أسرته؟
العامل اليمني اليوم ليس مجرد فئة مهنية، بل هو عنوان لصراع يومي مع البقاء، وشاهد حي على اقتصاد أنهكته الحرب، وسياسات عمّقت الأزمة بدلاً من معالجتها. لقد جعلت الحرب التي أشعلتها الميليشيا الحوثية من أبسط مقومات الحياة عبئاً ثقيلاً، ومن العمل الشاق وسيلة للبقاء لا للحياة الكريمة.
ورغم ذلك، لم يتوقف العمال عن العمل، لأن التوقف يعني الجوع، والجوع يعني انهياراً أعمق مما هو قائم. لذلك يستمرون، بصمت، وبإرهاق، وبإصرار لا يُرى لكنه ينهض بالمدن كل يوم.
هذا هو العامل اليمني… لا يطلب امتيازاً، ولا يبحث عن رفاهية، بل عن حدٍ أدنى من الحياة الكريمة، وكرامة لا تُكسر، ووطن لا يثقل على أبنائه أكثر مما يحتملون.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة كما هي دون تغيير: هذا الوطن، رغم كل ما أصابه من حرب ودمار وانقسام اقتصادي، ما زال واقفاً على أكتاف عماله… حتى وإن انحنت تلك الأكتاف تحت ثقل ما لا يُحتمل.