صدى الساحل - بقلم - احمد حوذان
أراد الحوثيون أن يضربوا عصفورين بحجر واحد، فجمعوا حشودهم وجهزوا مقاتليهم من عمران، وحجة، وكحلان عفار، وبني قيس، والطور، وعبس، ثم ساقوهم إلى الحديدة، قبل أن يحملوهم على متن الأطقم العسكرية ويوهموهم بأن الجبهة خالية تماماً، وأن الطريق إلى حيس مفتوح ولا وجود لأي مقاومة.
صدق أولئك المقاتلون تلك الرواية، وظنوا أنها فرصة لصناعة "فيلم أكشن" ينتهي بإسقاط حيس، ثم الخوخة والمخا، وصولاً إلى الهدف الأكبر: باب المندب. وفي الوقت ذاته كانت المليشيا تواصل التعبئة والتحشيد في سحار بصعدة، وتهامة حجة، وبني مطر، وعمران بني صريم، استعداداً لمعركة كانت تعتقد أنها ستغيّر موازين الساحل الغربي.
وكعادتها، اختارت المليشيا منتصف الليل موعداً للهجوم، بعيداً عن الأضواء والمراقبة، محاولةً إخفاء حشودها وتسييرها في الظلام حتى لا تلتقط الكاميرات صور صغار السن الذين زجّت بهم في المعركة، ولا تكشف الخوف المرتسم على وجوه الأطفال الذين سيقت بهم قسراً إلى خطوط النار. كانت تسوق تلك الحشود كالنِّعاج إلى الرمال والجبال، وأكثرهم من الفئة العمرية بين 12 و18 عاماً، تدفع بهم كأنساق جديدة في كل هجوم، أملاً في إحداث ثغرة تخترق بها أحزمة الدفاع والتحصينات التي تحمي المنطقة.
لكن على الضفة الأخرى، كانت المقاومة الوطنية، وألوية الزرانيق، والألوية التهامية، في أعلى درجات الجاهزية. خبرة ميدانية، ويقظة استخباراتية، وتخطيط محكم، وتكتيك قتالي سريع الحركة، جعلها ترصد تحركات المليشيا بدقة حتى في أحلك ساعات الليل، واضعةً جاهزيتها القتالية في أعلى مستوياتها.
وما إن بدأت المعركة حتى اشتعلت جبهة حيس بمواجهات هي الأعنف منذ فترة. دوّت أصوات الانفجارات، وتعالت زخات الرصاص، واهتزت التباب تحت نيران الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، فيما ثبت الأبطال في مواقعهم دون أن يتراجعوا خطوة واحدة. كانت معركة حامية الوطيس، صاخبة برجيز المدافع وأصوات البرجنييف والمعدلات، إلا أن المهاجمين اصطدموا بجدار من الصمود، فتكسرت موجات الهجوم الواحدة تلو الأخرى، وسقطت الأنساق تباعاً في أولى التباب، حتى تحولت خطة المليشيا إلى كارثة ميدانية.
وفجأة خفتت أصوات المدافع في أول تبة من حيس، بعدما انتهت الحشود التي دفعت بها المليشيا، وتناثرت الجثث في الرمال والجبال إثر كمائن محكمة نفذتها المقاومة الوطنية والزرانيق. وهناك، في أولى تباب ذوباس، تلاشت أوهام المليشيا تماماً، ولم يجد من بقي من عناصرها سوى الفرار وهم يجرون أذيال الهزيمة، حاملين بعض قتلاهم وجرحاهم، تاركين خلفهم خسائر كبيرة.
وهكذا تحطم أكبر هجوم حوثي كان يستهدف إسقاط حيس تمهيداً للتقدم نحو الخوخة والمخا، وصولاً إلى باب المندب، أمام صخرة صمود أبطال اللواء الثاني زرانيق والقوات المساندة لهم.
لقد انكسر الحوثيون في أولى تباب ذوباس، فيما واصل أبطال المقاومة الوطنية والزرانيق والألوية التهامية كتابة صفحة جديدة من صفحات الصمود، مؤكدين أن الساحل الغربي سيظل عصياً على مشاريع المليشيا، وأن حماية الوطن ستبقى مسؤولية رجال تشربوا الوطنية، وصنعوا من ميادين القتال ملحمة جديدة عنوانها: النصر لمن يثبت في أرضه، والهزيمة لمن يراهن على الوهم.