الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 11:07 م
اللواء/ حسين العجي الع
تنشغل كثير من التحليلات بحجم الضربات التي تلقتها إيران ومحورها خلال المرحلة الماضية، وتحديداً منذ أحداث السابع من أكتوبر، لكن السؤال الأهم ليس حجم الخسائر التي وقعت، بل طبيعة المعادلات الجديدة التي خرجت بها المنطقة بعد الحرب، .
لا خلاف على أن إيران تعرضت خلال الفترة الماضية ما بين السابع من اكتوبر حتى بداية الضربات الامريكيه الاسرائليه في فبراير لسلسلة من الانتكاسات القاسية، سواء على مستوى حلفائها أو على مستوى صورتها الإقليمية . فقد شهدت المنطقة أحداثاً كان كثيرون يعتقدون أنها ستدفع طهران إلى تدخل مباشر وحاسم، لكنها فضلت في معظم الأحيان البقاء خلف خطوط المواجهة، الأمر الذي انعكس سلباً على صورة "المحور" وعلى معنويات كثير من أنصاره وحلفائه.
لكن ما يثير القلق اليوم هو أن بنود التفاهمات التي تم التوقيع عليها قد تنقل إيران من موقع الدفاع إلى موقع يمتلك أوراقاً إضافية لم تكن متاحة لها قبل الحرب.
ففي السابق كانت إيران تحرص على إبقاء علاقتها بالفصائل الحليفة ضمن مساحة من الغموض السياسي، أما اليوم فإن ما يجري تداوله يوحي بترسيخ معادلة جديدة مفادها أن استهداف أي طرف من أطراف هذا المحور قد يفتح الباب أمام رد إيراني مباشر أو غير مباشر، وهي معادلة مختلفة عما كان سائداً خلال السنوات الماضية.
كما أن ملف مضيق هرمز يطرح تساؤلات لا يمكن تجاهلها. فالممر البحري كان يؤدي دوره رغم التوترات والصراعات، أما اليوم فإن الحديث المتزايد عن ترتيبات جديدة مرتبطة بحركة الملاحة ومستقبل إدارة الممرات البحرية يمنح إيران مساحة تأثير أكبر مما كانت تمتلكه قبل الحرب، وهو ما يستدعي قراءة متأنية لنتائج أي تفاهمات يتم التوصل إليها.
يضاف إلى ذلك ما تمثله هذه التفاهمات من مكسب معنوي وسياسي داخلي لإيران، ومكسب نفسي لحلفائها في المنطقة. فالكثير من أنصار المشروع الإيراني كانوا يعيشون حالة من الإحباط نتيجة الخسائر التي تعرض لها المحور، لكن مجرد خروج إيران من المواجهة دون تحقيق الأهداف المعلنة ضدها يُقدم داخل هذا المعسكر باعتباره إنجازاً بحد ذاته، فكيف إذا اقترن ذلك بمكاسب سياسية أو أمنية أو اقتصادية إضافية؟
وفي المقابل، فإن الحرب كشفت حقيقة مهمة يجب التوقف أمامها. فقد أثبتت دول الخليج العربية مستوى عالياً من المناعة والقدرة على الصمود. فعلى الرغم من التهديدات المباشرة، وما تعرضت له من استهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ومحاولات الضغط على اقتصاداتها وممراتها الحيوية، لم تشهد هذه الدول الانهيارات التي كان يراهن عليها البعض، بل أثبتت امتلاكها منظومات دفاعية متطورة، وقدرات متنامية على التعامل مع التهديدات الحديثة، فضلاً عن تماسك اقتصادي واجتماعي وسياسي لافت.
كما أظهرت الأحداث مستوى عالياً من الحكمة وضبط النفس في إدارة الأزمات، وهو ما حال دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع وأكثر كلفة.
ومن هنا فإن الدرس الأهم لا يتمثل فقط في قراءة ما كسبته إيران أو ما خسرته، بل في ضرورة البناء على ما أثبتته دول الخليج من قوة وقدرة على الصمود، عبر تطوير منظومة تكامل دفاعي وعملياتي أكثر فاعلية، للتعامل مع أي تهديد يستهدف أمن الجزيرة العربية واستقرارها.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الأردن باعتباره البوابة الشمالية للجزيرة العربية، واليمن باعتباره عمقها الجنوبي، بما يمتلكه البلدان من أهمية جغرافية وبشرية وعسكرية تجعل حضورهما في أي ترتيبات أمنية مستقبلية أمراً يستحق الدراسة والاهتمام.
فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تُقاس فقط بما دمرته، بل بما أنتجته من وقائع وتوازنات جديدة قد تكون آثارها أبقى وأعمق من المعارك نفسها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إحصاء الخسائر أو المكاسب فحسب، بل في قراءة ما أفرزته هذه الحرب من معادلات جديدة وفهم تأثيرها المحتمل على توازنات المنطقة خلال السنوات القادمة. وإذا كانت إيران قد دخلت الحرب وهي تحت الضغط وخسرت جزءاً من نفوذها وأدواتها، فمن غير المنطقي أن تخرج من التفاهمات اللاحقة بمكاسب وصلاحيات وأوراق نفوذ لم تكن تمتلكها قبل الحرب أصلاً، لأن ذلك لا يعالج المشكلة بقدر ما يؤجلها ويعيد إنتاجها بأشكال مختلفه وبصورة اكثر تعقيدا.