الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 03:48 م
ظللتُ، لسنواتٍ طوال، أعتقد أننا أقرب إلى ذلك العجوز الكوبي الذي رسمه إرنست هيمنغواي في رائعته "العجوز والبحر"؛ نحمل صبره، ونتقاسم ملحه، ونقتات على خيباته النبيلة.
ورثنا عناد سانتياغو كما لو أنه إرثٌ عائلي للفقراء الذين لا يملكون سوى جلدهم على الأمل. وظننا أن ندوبنا تشبه ندوبه، وأننا، مثل ذلك الصياد العجوز، سنخرج يوماً إلى بحر الحياة بقواربنا الصغيرة، ثم نعود، ولو بهيكل انتصارٍ يثبت أننا قاومنا.
لكن يبدو أننا أخطأنا التشبيه. لم نكن الصياد العجوز... ولا حتى ظله المتعب. كنا، على الأرجح، تلك السمكة الهائلة... سمكة المارلين، التي علقت في صنارة عجوز بائس، لا لأنه أقوى منها، بل لأن الحظ كان نائماً ساعة مرورها.
في "العجوز والبحر" يترك لنا هيمنغواي درساً يبدو بسيطاً، لكنه يشبه الفخاخ الكبيرة. صيادٌ عجوز يُدعى سانتياغو، يمضي أياماً طويلة يصارع البحر بحثا عن صيد. ثم، فجأة، وفي عمق الخليج، تتعلق بصنارته سمكة مارلين أكبر من قاربه نفسه؛ كأن القدر قرر أن يعتذر متأخراً... أو أن يسخر بطريقة أكثر أناقة.
منذ القراءة الأولى، انحاز معظمنا إلى الصياد. رأيناه البطل الذي يتحدى البحر، ورأينا السمكة خصماً هائلًا ينبغي إخضاعه. لكنني، كلما عدت إلى الرواية، شعرت أن الحكاية يمكن أن تُقرأ من الجهة الأخرى. العجوز يتألم... نعم. لكن السمكة أيضا كانت تُستنزف في صمت. كانت تقاتل من أجل حياتها، بينما يُسحب جسدها بخيط لا تعرف من ألقاه، ولا لماذا اختارها القدر من دون غيرها.
قرأنا عشرات المقالات التي شبّهت جيلنا بسانتياغو؛ ذلك الرجل الذي لا يستسلم للهزيمة. لكن هل سألنا: كيف يبدو العالم من جهة السمكة؟ كيف يرى الحياة كائنٌ عالق بخيط لا يراه، يُجر إلى مصير لم يختره؟
وحين يصل الصياد أخيراً إلى الشاطئ، لا يجد المجد الذي حلم به؛ فقد سبقت إليه أسماك القرش، والتهمت السمكة، ولم تترك له سوى هيكلٍ عظمي يجرّه خلف قاربه. وربما... هنا تبدأ حكايتنا.
لطالما أحببنا أن نرى أنفسنا في صورة الصياد النبيل الذي يقاوم. لكن ماذا لو كنا، في الحقيقة، الصيد نفسه؟ ماذا لو أن أعمارنا كلها ليست سوى محاولةٍ عبثية للإفلات من صنارة ضخمة اسمها الجغرافيا؟ أو السياسة؟ أو المصالح الكبرى التي تتبادلنا كما يتبادل المقامرون أوراق اللعب؟
نحن سمكة المارلين أيها البحر... تجرنا قوارب الآخرين. تنهكنا المسافات. وتستنزفنا المعارك التي لم نخترها. ثم، حين يظن الصياد أنه انتصر، تأتي قروش العالم لتلتهم الغنيمة.
لا ينجو أحد كاملاً. الصياد يعود بعظام نصره، والسمكة لا يبقى منها إلا حكاية تُروى على الشاطئ.
وكم يشبه عالمنا هذا المشهد. بلدانٌ كاملة تُجر بخيوط غير مرئية. وشعوبٌ تُعلَّق على صنارات الوعود الدولية، ثم تُترك لقروش الحروب، والأزمات الاقتصادية، والمضائق، والمجاعات. كل طرف يزعم أنه البطل. أما البحر وحده، فيبتسم بصمته الأزلي، لأنه يعرف أن
الجميع مجرد شخصيات صغيرة في مسرحٍ صاخب الأمواج.
ولعل أكثر ما يؤلم، أننا لم نعد نحلم حتى بخيبة سانتياغو. فالعجوز عاد، على الأقل، بعظام انتصار يروي بها حكايته. أما نحن، فكثيراً ما نعود بلا هيكلٍ أصلاً... فقط بملحٍ إضافي على الذاكرة.
ومع ذلك، كان هيمنغواي يخبئ حكمته العميقة بين الزبد:
"الإنسان لا يُخلق للهزيمة". قد يُدمَّر، نعم. قد يعود مثقلاً بالخسارات. لكن الهزيمة الحقيقية ليست ما يصيب الجسد، بل ما ينجح في كسر الروح.
أن تعود من البحر خالي اليدين، لكنك لم تفقد نفسك. أن تنهشك القروش، لكنك لا تتحول إلى كائن ميت من الداخل. أن يبقى فيك ما يكفي لتنظر إلى البحر مرة أخرى... ولو بعين العارف الذي صار يعرف ثمن الموج.
كل ما في الأمر أن معرض الكتاب أعاد إلينا الكتب التي لا نقرأها بقدر ما تقرؤنا، وتلك التي تكشف وجوهنا كلما ظننا أننا تجاوزناها. وكانت رواية العجوز والبحر واحدة منها.
ليست الروايات العظيمة تلك التي تمنحنا أجوبة، بل التي تجعلنا نعيد ترتيب أسئلتنا. وها أنا، بعد كل هذه السنوات، لا أسأل عن بطولة سانتياغو، ولا عن صبر الصياد، بل عن مصير تلك السمكة التي لم تختر معركتها، ثم انتهت طعاماً للقروش.
ربما لهذا السبب لم أعد أرى أنفسنا في وجه الصياد العجوز، بل في جسد سمكة المارلين المعلّق بخيطٍ لا يراه، يُسحب إلى شواطئ الآخرين، بينما تتقاسم القروش ما تبقى منه.
ومع ذلك... يبقى البحر مفتوحاً. ويبقى الإنسان، كما قال هيمنغواي، لا يُخلق للهزيمة. قد يُستنزف، وقد تُنهش أحلامه، وقد لا يعود إلا بملحٍ إضافي على ذاكرته. لكن ما دام قادراً على النظر إلى البحر من دون أن يفقد روحه، فما تزال في الحكاية بقية... وما يزال في البحر متسعٌ لحلمٍ جديد.
(المصدر: النهار اللبنانية)