الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 07:12 م
شكّلت المراكز الصيفية الحوثية أكبر تهديد وجودي لأطفال اليمن، وأكبر خطر مستقبلي على المجتمع وأمن واستقرار المنطقة، خصوصاً في ظل التعبئة الخاطئة التي تؤكد على العنف والإرهاب وتكريس الموت كثقافة سائدة.
إن الشعار الذي يطلقه الحوثي على المراكز الصيفية (علم وجهاد) إقرار واضح وصريح بالأهداف التي تُنشأ من أجلها هذه المراكز الصيفية، وهو التجنيد الإجباري للأطفال، فلا يمكن أن يكون العلم مقترناً مع القتال والعنف، خصوصاً وأن العلم تنويري يؤدي إلى الرفعة والازدهار للمجتمع ويبني الدولة، بعكس الجهاد وفق اعتقاد الحوثي، وهو الموت في سبيل عبدالملك الحوثي والأجندة الخارجية التي تُنفذها العصابات الحوثية.
وتلجأ المليشيا الحوثية إلى أساليب شديدة التعقيد لاستقطاب الأطفال وإخضاعهم للتجنيد، ومنها الاستقطاب من المراكز الصيفية أو من المدارس النظامية، أو عبر حملات إعلامية وميدانية مكثفة، أو إغراءات للأطفال الذين يُجرى استقطابهم في عملية لا تختلف عن الاختطاف، حيث يتم إخفاؤهم بشكل مفاجئ دون علم أسرهم.
كما أن الحوثي يستغل أيضاً المساجد والشعارات الحماسية والوعود الكذابة وعقال ومشايخ الحارات، وليس هذا فحسب بل أيضاً يستخدم الإغراءات التعليمية، ومنها: التحق بالدورات الصيفية وسوف تنجح في اختبارات الصف التاسع أو الثالث الثانوي.
لقد استغل الحوثي سيطرته على الاتصالات في الترويج للمراكز الصيفية، والتي دائماً ما يرسل رسائل مبطنة بالتهديد إلى كل هاتف تحثه على الدفع بالأبناء للمراكز الصيفية الإرهابية، وهذا يؤكد أن الحوثي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها في ترهيب الأسر اليمنية، خصوصاً الفقراء منها.
ولا يقتصر الترهيب الحوثي على الجوانب الحسية أو الكلمات أو الرسائل، بل وصل الأمر إلى الغذاء والإغاثة، حيث يهدد المشرف الحوثي في المنطقة أو القرية التي يتولى الإشراف عليها الأسر الفقيرة المنهكة بمنع المعونات الغذائية أو المساعدات المالية البسيطة التي تقدمها المنظمات الأممية أو المحلية إذا لم تُسجل أطفالها في المراكز الصيفية أو تقدم الدعم الذي يتم عبر ظروف توزعها عقال الحارات إلى كل بيت لهذه المراكز الصيفية الحوثية الإرهابية.
من يعتقد أن هذه المراكز الحوثية هي لتعليم القرآن الكريم فإنه وهم، فهذه العصابة مهمتها محاربة تعليم القرآن الكريم وقتل معلمي القرآن وتحويل مدارس ومراكز تحفيظ القرآن في المساجد إلى سكن ومقرات للتخزين لمليشياتهم، فالطفل حين يصل إلى هذه المراكز في الأيام الأولى يمر بمراحل متعددة تبدأ بغسل دماغه الصغير أولاً عبر تطبيق منهج "ملازم" وأكاذيب مؤسس المليشيا الصريع حسين الحوثي كمرجع وحيد، فضلاً عن الاستماع إلى خطب الإرهابي عبدالملك، وبعد أيام من التلقين والحفظ الأعمى لشعارات الموت والكراهية والحقد والعنصرية والعبث بعواطف الأطفال تبدأ مرحلة الاستقطاب للمراكز المغلقة والتجنيد.
ولا يخفى على أحد أن الانتقال إلى المراكز الصيفية المغلقة أو المعسكرات المغلقة لا يتم إلا بعد أن يصبح الطفل قد تجاوز مرحلة "الصرخة" و"زوامل الحرب والموت" وتمجيد زعيم الإرهاب الحوثي عبدالملك الحوثي وأسرته، والإيمان المطلق بأن الموت في سبيل هؤلاء الإرهابيين هو الصحيح، أو ما يُطلق عليه بـ"الولاية الكاملة" للإرهابي الحوثي، وهذه الطرق والمراحل تتم للأطفال الذين يذهبون إلى المراكز الصيفية وليس لمن يتم استقطابهم من الشوارع والحارات دون علم أسرهم (اختطاف).
إن خطورة هذه المراكز الصيفية، خصوصاً المغلقة، والتي يتم نقل الأطفال إليها وتتواجد في أماكن نائية بعيداً عن أهاليهم لأسابيع، وفي عزلة، تكمن في أنها تدمر عقل وفكر الطفل، حيث يُمارس على الأطفال ضغط نفسي هائل، ويُعرض عليهم مقاطع فيديو حربية "مؤثرة"، ويتم تدريبهم على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وتُغرس في عقولهم أفكار طائفية، ويتم فرزهم بناء على تصنيف طبقي وعنصري، قبل أن يُنقلوا إلى دورات أمنية وعسكرية متخصصة يصبح فيها الطفل شرساً ومجرماً يمكن أن يقتل حتى والده أو والدته أو إخوته.
وبحسب المعلومات، فإن الطفل قبل أن ينتقل إلى التدريبات العسكرية الأمنية يكون قد تعاطى عدداً من أنواع المخدرات التي توضع داخل مادة الشمة، وهي عملية تعاطٍ إجبارية، يقول فيها المشرفون الحوثيون للأطفال: "لن تكونوا رجالاً إلا حين تتعاطون هذه".
إن رسالتنا إلى كل رب أسرة في مناطق الحوثي: أطفالك مسؤوليتك الكبيرة، ليس أمام المجتمع والدولة بل أمام الله، وإن تسليمك هؤلاء الأطفال للحوثي أشبه بعملية إعدام ممنهج لمستقبل جيل كامل، ولا ينبغي أن يحدث، فما يجري في المراكز الصيفية الحوثية ليس تعليماً بل عملية ممنهجة لتدمير العقول الصغيرة ونقلهم إلى معسكر تدريبي متكامل الأركان، بأساليب سيكولوجية تستهدف غريزة الانتماء لدى الطفل.
فهؤلاء الأطفال لا يتعلمون علوماً طبيعية ولا لغات ولا مهارات تقنية، بل تُحشى عقولهم بتفسيرات دينية محرفة وتاريخ مزور وكراهية وحقد حتى لآبائهم وبلدهم ومجتمعهم.
لقد أصبح الانقسام واضحاً في أوساط من تشربوا الفكر الحوثي، والذين غالبيتهم عاد لينتقم من والده أو أسرته، ولذا فإن المسؤولية اليوم علينا كمجتمع كبيرة في حماية أطفالنا من هذا التدمير المتعمد للمستقبل العلمي لليمن، والذي يتم فيه استبدال القلم بالبندقية، والمنطق بالخرافة، والجامعة بالخندق، مما يضع اليمن أمام تحدٍ وجودي سيتطلب عقوداً من الإصلاح الفكري والتربوي لعلاجه.