صدى الساحل - بقلم - احمد حوذان
عاد عبدالملك الحوثي، زعيم جماعة الحوثي، بخطاب جديد حمل نبرة تصعيدية غير مسبوقة تجاه المملكة العربية السعودية، وكرر فيه مفردات الحرب والتعبئة والنفير العام، في وقت يغيب فيه أي حديث جاد عن معاناة ملايين اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب، والفقر، وانقطاع الرواتب، وانهيار الخدمات الأساسية.
ويأتي هذا الخطاب في وقت لا تزال فيه المملكة العربية السعودية تمثل وجهة لملايين اليمنيين العاملين على أراضيها، الذين تعتمد مئات الآلاف من الأسر اليمنية على تحويلاتهم المالية لتخفيف أعباء المعيشة، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها البلاد. ورغم ذلك، اختار الحوثي توجيه خطابه نحو التصعيد ضد الرياض، متجاهلًا الأزمات الداخلية التي تثقل كاهل المواطنين في مناطق سيطرة جماعته.
وفي خطابه، شنّ الحوثي هجومًا حادًا على السعودية، متهمًا إياها بلعب دور تخريبي في المنطقة وخدمة الأجندتين الأمريكية والإسرائيلية، كما حمّلها مسؤولية الحرب والأزمة في اليمن، وربطها كذلك بالأزمات والصراعات في فلسطين ولبنان وإيران، في محاولة لتوسيع إطار الصراع وربط الملف اليمني بالمواجهة الإقليمية.
وخصص الحوثي جزءًا كبيرًا من حديثه للهجوم على السعودية على خلفية استهداف مطار صنعاء، واعتبر الضربات الجوية "عدوانًا جديدًا"، محملًا الرياض المسؤولية الكاملة عن استمرار الحرب والحصار، ومصورًا استهداف المطار باعتباره اعتداءً على المرضى والمسافرين والمنشآت المدنية، في محاولة لاستثمار البعد الإنساني سياسيًا وإعلاميًا.
ولم يكتفِ بذلك، بل صعّد من لهجته، ملوحًا بأن الرد سيكون حتميًا، وأن جماعته ستواصل ما تسميه "معركة انتزاع الحقوق"، مؤكدًا أن الخيارات العسكرية ستظل مفتوحة إذا استمرت العمليات العسكرية ضدها.
كما حرص الحوثي على توجيه رسائل شكر إلى إيران، مشيدًا بإرسال الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء، واعتبرها "كسرًا للحصار"، وهو ما يعكس بوضوح حجم العلاقة السياسية والعسكرية بين الجماعة وطهران، ويؤكد استمرار ارتباط المشروع الحوثي بالدعم الإيراني.
وفي السياق ذاته، كرر الحوثي الحديث عن ما يسمى بـ"وحدة الساحات"، وربط بين اليمن وغزة ولبنان وإيران، معتبرًا أن المواجهة واحدة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، وهو خطاب يعكس استمرار الجماعة في تقديم نفسها كجزء من المحور الإيراني في المنطقة، وليس كطرف يمني يسعى إلى معالجة الأزمة الداخلية أو الدفع نحو تسوية وطنية.
كما دعا إلى توسيع التعبئة العامة، وفتح المزيد من معسكرات التدريب، والاستمرار في النفير القبلي والأنشطة التعبوية، وهو ما انعكس مباشرة في عشرات الوقفات واللقاءات القبلية والعسكرية التي نظمتها الجماعة في المحافظات الخاضعة لسيطرتها عقب الخطاب.
وتطرق الحوثي إلى الملف الاقتصادي، مكررًا اتهام الحكومة اليمنية والتحالف بالاستحواذ على عائدات النفط والغاز وحرمان الموظفين من الرواتب، مقدمًا ذلك باعتباره أحد مبررات استمرار التصعيد العسكري، دون التطرق إلى مسؤولية جماعته عن استهداف موانئ تصدير النفط والمنشآت الاقتصادية، وما ترتب على ذلك من خسائر كبيرة للاقتصاد اليمني وتعقيد الأزمة المعيشية.
ورغم طول الخطاب، لم يقدم الحوثي أي رؤية لمعالجة الانهيار الاقتصادي، أو تحسين الخدمات، أو صرف رواتب الموظفين، بل أعاد التأكيد على خيار التصعيد العسكري والتعبئة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والمعيشية في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعته.
فبعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب، لا يزال اليمنيون ينتظرون حلولًا لأزماتهم اليومية، بينما تتكرر خطابات المواجهة والنفير، وتتراجع الأولويات المرتبطة بحياة المواطنين لصالح شعارات الحرب والصراع الإقليمي.
كما
يكشف خطاب عبدالملك الحوثي عن انتقال الجماعة إلى مرحلة جديدة من التعبئة الداخلية، مع تركيز واضح على السعودية باعتبارها الخصم الرئيسي في المرحلة الحالية، والسعي إلى إعادة توجيه الرأي العام داخل مناطق سيطرتها نحو مواجهة خارجية، مستفيدة من التطورات المرتبطة بمطار صنعاء.
كما يعكس الخطاب محاولة لاستثمار حادثة استهداف المطار في تعزيز الحشد القبلي والعسكري، وإعادة تنشيط أدوات التعبئة الشعبية، وإظهار الجماعة في حالة استعداد دائم لأي مواجهة مقبلة.
ويؤكد الخطاب كذلك استمرار الارتباط الوثيق بالمحور الإيراني، من خلال الإشادة المتكررة بطهران، وتبني خطاب "وحدة الساحات"، وربط الساحات اليمنية والفلسطينية واللبنانية والإيرانية ضمن معركة واحدة، بما يعكس أن أولويات الجماعة لا تزال تتجاوز الإطار اليمني المحلي إلى حسابات إقليمية أوسع.
كما أن التركيز المكثف على مهاجمة السعودية وتحميلها مسؤولية مختلف الأزمات في المنطقة يشير إلى محاولة إعادة إنتاج خطاب المواجهة مع الرياض كوسيلة لحشد الأنصار، وصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية المتفاقمة، وفي مقدمتها تدهور الوضع الاقتصادي، وتعطل صرف الرواتب، واستمرار تراجع الخدمات العامة في مناطق سيطرة الجماعة.
وفي المقابل، غاب عن الخطاب أي حديث عن حلول عملية لمعالجة الأزمة الاقتصادية أو تحسين الخدمات أو إعادة صرف الرواتب، وهو ما يعزز الانطباع بأن الجماعة لا تزال تقدم أولويات التعبئة العسكرية والإعلامية على متطلبات إدارة الدولة وتخفيف معاناة المواطنين.
وبصورة عامة، يحمل الخطاب أبعادًا تعبوية ونفسية أكثر من كونه إعلانًا عن تحول حقيقي في موازين القوى، ويهدف بالدرجة الأولى إلى رفع المعنويات الداخلية، وتعزيز التماسك التنظيمي، والإبقاء على حالة الاستنفار في مناطق سيطرة الجماعة، مع إعادة توجيه بوصلة الصراع نحو السعودية بوصفها العنوان الرئيس للمرحلة المقبلة.