صدى الساحل - بقلم - احمد حوذان
هناك أيام لا تغيّر السلطة فقط، بل تعيد رسم مسار وطن بأكمله. ويأتي 17 يوليو بوصفه واحدًا من تلك الأيام التي انتقل فيها اليمن من مرحلة كانت المسافات فيها أطول من الأحلام، إلى مرحلة بدأت فيها الطرق تختصر الزمن، واقتربت المدرسة من القرية، ووصل المستشفى إلى مناطق لم تكن تعرف سوى العزلة. لم يكن التحول مجرد انتقال للسلطة، بل بداية مشروع أعاد تشكيل ملامح اليمن الحديثة، وترك بصماته في تفاصيل الحياة اليومية لملايين اليمنيين، رغم ما أصاب البلاد لاحقًا من حروب وانهيار. وبين ما بُني بالأمس وما تهاوى في السنوات الأخيرة، تقف قصة وطن عاش مرحلتين متناقضتين؛ الأولى حملت مشروع البناء، والثانية حملت أعباء الهدم، حتى غدت إعادة إعمار ما دُمّر حلمًا ينتظره ملايين اليمنيين.
ليست كل التواريخ مجرد أرقام في الذاكرة، فبعض الأيام تتحول إلى نقطة فاصلة بين مرحلتين مختلفتين. وفي التاريخ اليمني، يبرز 17 يوليو باعتباره اليوم الذي ارتبط بمرحلة سياسية تركت أثرًا عميقًا في بنية الدولة ومؤسساتها، وشكل منعطفًا في مسار الجمهورية اليمنية.
قبل تلك المرحلة، كان اليمن يعيش تحديات هائلة؛ ضعفًا في مؤسسات الدولة، ومحدودية في التعليم، وشبكات طرق تكاد تكون معدومة في كثير من المناطق، وخدمات صحية متواضعة، وعزلة فرضتها سنوات طويلة من التخلف والإرث الثقيل الذي خلفته عصور الإمامة في شمال اليمن، حيث كان الجهل والمرض والفقر من أبرز ملامح الواقع.
ومع وصول الرئيس الأسبق الشهيد علي عبدالله صالح إلى السلطة في 17 يوليو 1978، بدأت مرحلة مختلفة في تاريخ الدولة اليمنية. شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في إنشاء المدارس، وافتتاح الجامعات والمعاهد، وبناء المستشفيات والمراكز الصحية، وشق آلاف الكيلومترات من الطرق التي ربطت القرى والمدن، وإنشاء الجسور والمطارات، وتوسيع شبكات الكهرباء والاتصالات، وهي مشاريع غيّرت حياة ملايين اليمنيين وفتحت أمامهم آفاق التعليم والعمل والتنقل.
ولعل أبرز ما ارتبط بتلك المرحلة كان تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، التي أنهت عقودًا من الانقسام، وجعلت اليمن دولة واحدة تحت علم واحد ودستور واحد، في محطة تُعد من أهم محطات التاريخ اليمني الحديث. كما شهدت تلك الحقبة إدخال التعددية السياسية، وإجراء الانتخابات، وتوسيع المشاركة في الحياة العامة، وهي خطوات أسست لتجربة سياسية جديدة في اليمن.
لكن المشهد تبدّل بصورة جذرية بعد انقلاب جماعة الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة. فبدلًا من أن تتجه الجهود إلى البناء، دخل اليمن في دوامة حرب طويلة أنهكت الإنسان والمكان. تعطلت مؤسسات الدولة، وتوقف صرف رواتب مئات الآلاف من الموظفين، وتراجعت الخدمات الأساسية، وتعرض الاقتصاد لانهيار غير مسبوق، واتسعت رقعة الفقر، وامتلأت السجون، وازدادت أعداد النازحين، وتحوّلت مدن وقرى إلى ساحات قتال.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة تبني المدارس، أصبح كثير من الأطفال خارج مقاعد الدراسة. وحيث كانت تُعبد الطرق وتُشيد الجسور، أصبحت البنية التحتية هدفًا للحرب والإهمال. وحيث كانت المستشفيات تتوسع، باتت تعاني نقصًا في الإمكانات والأدوية، بينما يواجه المواطن أزمات متلاحقة في الكهرباء والمياه والوقود وفرص العمل.
والمفارقة أن كثيرًا ممن يهاجمون تلك المرحلة اليوم تعلموا في مدارس أُنشئت خلالها، وتخرجوا من جامعات أُسست في عهدها، وساروا على طرق وجسور شُيدت في تلك السنوات، وتعالجوا في مستشفيات قامت ضمن مشروع بناء الدولة، بينما لم تقدم سنوات سيطرة الحوثيين سوى المزيد من الحرب، والتعبئة، والانقسام، وتراجع مؤسسات الدولة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
واليوم، وبينما ينظر اليمنيون إلى ما آلت إليه أوضاع بلادهم، يستحضر كثيرون الفارق بين مرحلة كانت الأولوية فيها للمشاريع والتنمية وربط المدن وتوسيع الخدمات، ومرحلة أصبحت فيها الأولوية للحرب والتعبئة، بينما يتراجع الاقتصاد وتتدهور الخدمات وتتسع دائرة معاناة المواطنين.
ويبقى من الإنصاف أن تُقرأ التجارب السياسية بميزان التاريخ، بما لها وما عليها، وأن تُحفظ الإنجازات كما تُناقش الإخفاقات، فالأمم لا تُبنى بإنكار الماضي، بل بفهمه واستخلاص دروسه.
ويبقى 17 يوليو حاضرًا في ذاكرة كثير من اليمنيين، ليس باعتباره تاريخًا سياسيًا فقط، بل بوصفه محطة ارتبطت ببناء مؤسسات الدولة، وتوسيع التعليم، وشق الطرق، وإنشاء الجسور والمطارات، ومد شبكات الخدمات، وهي منجزات ما تزال آثارها قائمة في مختلف المحافظات حتى اليوم.
لقد يختلف اليمنيون في تقييم الأشخاص والسياسات، لكن ما لا يمكن تجاهله أن تلك المرحلة تركت بصمة واضحة في مسار الدولة اليمنية، وأن كثيرًا من المرافق التي لا تزال تخدم المواطنين حتى اليوم تعود جذورها إلى تلك السنوات. ولهذا سيظل 17 يوليو حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره أحد الأيام التي أعادت رسم ملامح اليمن، ورسخت مشروع الدولة، قبل أن تعصف به سنوات الحرب والانقلاب.
فالتاريخ لا يُقاس بالشعارات والخداع والكذب ، بل بما يبقى على الأرض من مدارس وجامعات وطرق ومستشفيات ومؤسسات صنعت حياة الناس، وما يزال اليمنيون يشهدون على أثرها حتى اليوم.