اخبار وتقارير

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 11:24 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

لم يكن الشيخ ربيش علي وهبان العليي بحاجة إلى إثبات مكانته؛ فقد جمع بين الوجاهة الاجتماعية وصفة النائب البرلماني، وكانت أمامه أبواب كثيرة تقوده إلى حياة أكثر أمنًا ورفاهًا بعيدًا عن أزيز الرصاص. لكنه أدرك مبكرًا أن تمدد الحوثية ليس نزاعًا سياسيًا على السلطة، ولا خلافًا يمكن أن تنهيه التسويات، وإنما مشروع سلالي مسلح يستهدف الدولة اليمنية وهويتها وجوهر جمهوريتها.
لهذا ألقى الرجل بالامتيازات جانبًا، وترك مقعد البرلمان إلى خندق الجمهورية، وانتقل من قاعات النواب وبيانات المواقف إلى صليل البنادق ووعورة الثغور. خاض المعارك بين الجبال والشعاب والرمال، مؤثرًا حياض الوطن على الدعة، ومستشعرًا أن التراجع في تلك اللحظة الفارقة لن يعني خسارة جولة عسكرية، بل فتح الطريق أمام مشروع يريد ابتلاع الدولة وإعادة تشكيل اليمن وفق منطق السلالة والقوة.
في الذكرى السادسة لاستشهاده، يعود ربيش العليي إلى الذاكرة لا بوصفه نائبًا أو شيخًا أو شخصية اجتماعية فحسب، بل بوصفه واحدًا من الرجال الذين اختاروا الميدان حين أصبح الميدان هو الامتحان الحقيقي للمواقف. كان يستطيع أن يبحث عن مكان أكثر أمانًا، وأن يعيش بعيدًا عن الحرب في قصور الخليج وأبراج تركيا ومنتجعات مصر، لكنه اختار مأرب، واختار الخندق، واختار أن يكون حيث تكون المعركة أشد قسوة وأكثر حاجة إلى الرجال.
كان بإمكانه أن يحتمي بمكانته السياسية والاجتماعية، وأن يكتفي بمقعد البرلمان وما يمنحه من حضور ونفوذ، لكنه غادر المقعد إلى مواقع القتال، وحمل السلاح إلى جانب المقاتلين، ومضى بين الجبال والشعاب والرمال والخنادق، مؤمنًا بأن الجمهورية لا تُحمى بالخطب وحدها، وأن الدولة حين تكون مهددة تحتاج إلى رجال يقفون في مقدمة الصفوف، لا إلى من يكتفون بمراقبة المعركة من بعيد.
لم تكن بندقية ربيش خروجًا من السياسة، بل كانت امتدادًا لموقفه الوطني والسياسي. فقد فهم أن المعركة مع الحوثيين ليست خصومة حزبية، وأن الخطر لا يستهدف حزبًا أو جماعة سياسية بعينها، وإنما يستهدف فكرة الدولة نفسها، ويهدد النظام الجمهوري الذي دفع اليمنيون أثمانًا باهظة من أجل تثبيته.
ولهذا تجاوز حضوره حدود الانتماء الحزبي، وأصبح قريبًا من المقاتلين الذين رأوا فيه رجلًا ترك موقعه ومكانته وذهب إليهم، لا رجلًا يطلب من الآخرين أن يخوضوا المعركة نيابة عنه. وفي زمن كثرت فيه المواقف من خلف المكاتب، كان ربيش يكتب موقفه في الخندق، حتى ارتقى شهيدًا في جبهة المخدرة غربي مأرب، وهو في قلب المعركة.
ولم يكن ربيش وحده في هذا الطريق، فقد كانت مأرب واحدة من أبرز ساحات التضحيات في معركة الجمهورية. على ترابها ارتبطت أسماء رجال حملوا عبء المواجهة حتى النهاية؛ من اللواء الركن عبدربه الشدادي، إلى العميد الركن عبدالغني علي عبدالله شعلان «أبو محمد»، واللواء الركن أمين الوائلي، واللواء الركن ناصر الذيباني «أبو منيف»، والعميد الركن محمد محمد صالح الوحيشي، وغيرهم من القادة والضباط والمقاتلين الذين جعلوا من مأرب خط دفاع عن الدولة، ودفعوا أرواحهم ثمنًا لبقائها واقفة.
ومن مأرب إلى تعز، امتدت القافلة ذاتها. هناك وقف العميد الركن عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع، في مقدمة المواجهة، وبرز العميد الركن محمد المحمودي، أركان حرب اللواء 22 ميكا بمدينة تعز، والعقيد عبده حمود الصغير، أركان حرب اللواء 17 مشاة، والشيخ القائد جاسم العلياني، والقائد رضوان العديني، وهم رجال ارتبطت أسماؤهم بمراحل مختلفة من مقاومة الحوثيين والدفاع عن تعز.
وعلى الساحل الغربي، كانت للمقاومة الوطنية والقوات المشتركة حكاية أخرى من الدم والصمود، امتدت من باب المندب إلى الخوخة والجاح ومناطق الساحل. هناك برز العميد يحيى عبدالله وحيش «أبو نشطان»، قائد الفرقة الأولى مشاة بالمقاومة الوطنية، ومن أبرز القيادات التي خاضت المعارك في خطوط النار الأولى من باب المندب إلى الخوخة. وإلى جواره كان العميد حسن دوبلة، قائد الكوكب الثاني بالمقاومة التهامية والقوات المشتركة، ومن الرعيل الأول لمؤسسي جبهات الساحل الغربي.
وفي الميدان نفسه ارتقى العميد عبدالغني الشبحي، قائد اللواء السادس عمالقة، أثناء قيادته المعارك الميدانية في جبهات الساحل الغربي، وسقط العقيد نبيل السهيلي، قائد الكتيبة الثانية باللواء الأول مقاومة وطنية، في معارك تحرير منطقة الجاح بالحديدة، كما ارتقى العقيد خيري الشعيبي، قائد الكتيبة الأولى باللواء الأول حراس الجمهورية، في خطوط المواجهة بالساحل الغربي، ولحق بهم النقيب أسامة بن أحمد الزوقري، قائد كتيبة في ألوية حراس الجمهورية، وهو يتقدم الصفوف في معارك الساحل.
تختلف الجبهات، وتتباين المناطق والرتب والرايات، لكن القاسم الذي يجمع هؤلاء الرجال واحد؛ أنهم لم يروا الجمهورية فكرة تُرفع في المناسبات، بل مسؤولية تُدافع عنها الأجساد حين تتقدم البنادق. ولذلك فإن ربيش العليي لم يكن حالة منفردة، بل كان واحدًا من جيل وجد نفسه أمام سؤال تاريخي حاسم: هل تُترك الدولة لمشروع السلالة، أم يقف الرجال في وجهه مهما كان الثمن؟
اختاروا الوقوف.
ولهذا كانت مأرب أكثر من جبهة عسكرية؛ كانت واحدة من أهم المتاريس التي حالت دون سقوط الجمهورية في قبضة الحوثيين. وكلما اقتربت المليشيا من خطوطها، خرج من بين صفوفها رجال يعرفون أن خلفهم دولةً مهددة، وأن سقوط مأرب لن يكون سقوط مدينة، وإنما انكسارًا كبيرًا في جدار الجمهورية.
ومن هنا تكتسب سيرة ربيش معناها الأوسع. فقد كان يعرف أن الدفاع عن مأرب ليس دفاعًا عن جغرافيا محلية، وأن المعركة لا تتعلق بمقعد برلماني أو نفوذ قبلي أو حساب حزبي، بل بمستقبل وطن يريد الحوثيون إعادة صياغته وفق مشروع سلالي مسلح.
كان ربيش واحدًا من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن الجماعة لا تريد شراكة سياسية متكافئة، وأن مشروعها يتجاوز السيطرة على مؤسسات الدولة إلى إعادة تشكيلها وفق تصور لا مكان فيه للمواطنة المتساوية. ولذلك لم ينتظر حتى تصل النار إلى بيته، بل ذهب إليها حيث اشتعلت في الجبهة.
واليوم، وبعد ست سنوات من رحيله، تبدو قراءة ربيش الأولى أكثر وضوحًا. فالمشروع الذي واجهه في الجبهات البرية لم يتوقف عند حدود المدن والقرى والجبال، بل اتسعت أدواته ومجالاته حتى وصل تهديده إلى البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية، في امتداد لمشروع عسكري تتقاطع أهدافه مع الأجندة الإيرانية في المنطقة.
وهنا تبدو المفارقة موجعة؛ ففي الوقت الذي كان فيه رجال اليمن يخوضون معركتهم على الأرض، تأخر المجتمع الدولي طويلًا في التعامل مع أصل الخطر، وغلبت الحسابات السياسية والرهانات الإنسانية على ضرورة منع الجماعة من إعادة بناء قدراتها العسكرية. ومع مرور السنوات، تمكن الحوثيون من تطوير أدواتهم وتعزيز ترسانتهم وتوسيع نطاق تهديدهم، حتى بات الخطر يطل من البر والبحر معًا، ويدفع اليمنيون والمنطقة والملاحة الدولية ثمن سنوات من التردد.
لكن ربيش لم ينتظر العالم.
لم يقل إن المجتمع الدولي سيأتي لينقذ الجمهورية، ولم يضع حياته في ميزان الحسابات الدولية، بل اتخذ قراره بنفسه. عرف أن الوطن إذا تُرك للريح فلن تنقذه البيانات، وأن الدولة إذا انكسر رجالها في الميدان فلن تعيدها المؤتمرات.
لهذا بقي اسمه حاضرًا في مأرب، وبقيت صورته مرتبطة بالخندق أكثر من ارتباطها بمقعد البرلمان، وبقيت ذكراه تقول إن الجمهورية لم تكن هدية وصلت إلى اليمنيين دون ثمن، بل كانت ثمرة دماء رجال حملوا رايتها في أصعب المنعطفات.
في الذكرى السادسة لاستشهاده، لا تحتاج مأرب إلى استعادة صورة ربيش بقدر حاجتها إلى استعادة المعنى الذي عاش من أجله. فالرجل الذي غادر مقعد البرلمان إلى الخندق لم يكن يبحث عن نهاية تخلده، بل كان يؤدي ما اعتقد أنه واجبه تجاه وطنه.
وحين سقط ربيش، لم تسقط الفكرة التي حملها؛ بقيت مأرب واقفة، وبقيت الجمهورية في حاجة إلى رجال يصونون معناها، وبقي اليمنيون يعرفون أن مواجهة المشروع الحوثي ليست معركة جيل واحد، وإنما دفاع مستمر عن دولة وهوية وتاريخ وحق في وطن لا تحكمه السلالة ولا تفرض فيه القوة المسلحة شكل الحكم.
ربيش العليي لم يكن وتد الجمهورية وحده، لكنه كان واحدًا من أوتادها الصلبة؛ أولئك الذين ثبتوا في الأرض حين اهتزت من حولهم، ودفعوا أرواحهم ثمنًا لكي تبقى راية الجمهورية مرفوعة.
رحم الله ربيش العليي، ورحم الله عبدربه الشدادي، وعبدالغني شعلان «أبو محمد»، وأمين الوائلي، وناصر الذيباني، ومحمد محمد صالح الوحيشي، ورحم الله عدنان الحمادي ورفاقه في تعز، وقادة الساحل الغربي وكل شهداء اليمن الذين ارتقوا دفاعًا عن الدولة والجمهورية.
ستبقى أسماؤهم في ذاكرة الوطن، لا لأنهم ماتوا في الحرب فحسب، بل لأنهم اختاروا، في اللحظة التي كان فيها الوطن مهددًا، أن يكونوا في الجهة التي يحتاجهم فيها اليمن.
الرحمة والخلود لشهداء الوطن، ولا قرّت أعين الخائفين.
أحمد حوذان