صدى الساحل - الحديدة - احمد حوذان
من أموالهم المحدودة، ومن قوت أسرهم، شيد أهالي إحدى قرى مديرية الزيدية بمحافظة الحديدة مدرسة لأطفالهم، بعد أن وجدوا أنفسهم أمام حاجة تعليمية ملحّة، في ظل غياب الجهات المسؤولة عن توفيرها.
وجمع الأهالي التبرعات من إمكاناتهم المحدودة؛ فباع بعضهم ما يملك من مواشٍ، فيما طلب آخرون من أبنائهم العاملين في السعودية تحويل مبالغ مالية للمساهمة في المشروع، وتشارك أبناء المنطقة في تحمل تكاليف البناء حتى اكتملت المدرسة وأصبحت جاهزة لاستقبال الطلاب.
وذكرت مصادر محلية أن أبناء المنطقة تحملوا بأنفسهم الجزء الأكبر من أعباء المشروع، وجمعوا التبرعات على مراحل، في ظل حاجة القرية إلى مدرسة قريبة تخفف عن الأطفال مشقة التنقل وتوفر لهم بيئة مناسبة للتعليم.
لكن فرحة الأهالي لم تكتمل؛ فبعد أن انتهوا من بناء المدرسة بجهودهم الذاتية، حضرت قيادات تابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية لتتصدر مراسم الافتتاح، في مشهد اعتبره أبناء المنطقة محاولة لركوب إنجاز لم تدفع الجماعة تكاليفه ولم تتحمل أعباءه.
وكان من بين القيادات الحاضرة القيادي الحوثي حسن علي الأهدل، المعين مديرًا عامًا لمديرية الزيدية، وهو مسؤول محلي ظهر في عدد من الفعاليات التي تنظمها الجماعة في المديرية، بينها فعاليات ذات طابع تعبوي وفكري.
كما حضر القيادي الحوثي اللواء فاضل أحمد جارالله الضياني، قائد المحور الشمالي في محافظة الحديدة، وهو أحد القيادات العسكرية التابعة للجماعة في المحافظة، وسبق أن ظهر بهذه الصفة في فعاليات ومناسبات بمناطق شمال الحديدة.
ويقول الأهالي إن المدرسة لم تُبنَ بتمويل من السلطة التابعة لمليشيا الحوثي، ولم تكن ثمرة مشروع حكومي أو مبادرة من القيادات الحاضرة، وإنما جاءت نتيجة مساهمات شعبية شارك فيها أبناء القرية والمغتربون، كلٌّ بحسب قدرته.
ويتساءل سكان المنطقة: ماذا قدمت هذه القيادات للمشروع قبل اكتماله؟ ومن أين جاءت تكاليف البناء؟ ومن دفع ثمن مواد الإنشاء والتجهيز؟ مؤكدين أن الإجابة يعرفها كل من شارك في جمع التبرعات وساهم في بناء المدرسة.
ويرى الأهالي أن حضور القيادات الحوثية عند لحظة الافتتاح لا يمنحها حق الاستحواذ على الإنجاز أو تقديمه باعتباره ثمرة لجهودها، فالمشروع بدأ من حاجة الناس، وتم تمويله من جيوبهم، واكتمل بتكاتفهم.
وتكشف الواقعة، بحسب أبناء المنطقة، مفارقة مؤلمة؛ فالمواطنون يتحملون أعباء توفير مدرسة لأطفالهم من أموالهم الخاصة، بينما تظهر قيادات مليشيا الحوثي عند اكتمال المشروع لتتصدر المشهد وتقدم نفسها باعتبارها صاحبة السلطة والإنجاز.
ويؤكد الأهالي أن ما فعلوه لم يكن بحثًا عن مديح أو مكاسب، وإنما محاولة لإنقاذ مستقبل أبنائهم في قرية تحتاج إلى مدرسة، بعدما طال انتظارها ولم يجدوا أمامهم سوى الاعتماد على أنفسهم.
وبينما تحملت الأسر كلفة المشروع، وساهم المغتربون بأموالهم، وباع بعض الأهالي من ممتلكاتهم لتوفير احتياجات البناء، بقي السؤال حاضرًا: أين كانت هذه القيادات حين كان الأهالي يجمعون المال ويبنون المدرسة؟
فالمدرسة التي خرجت من جيوب المواطنين لا تصبح إنجازًا لمن حضر عند الافتتاح، والجهد الذي بذله الأهالي لا يمكن أن يتحول إلى رصيد دعائي لقيادات لم تكن طرفًا في تحمل تكاليف إنشائها.
لقد بنى الأهالي المدرسة لأبنائهم، ومن حقهم أن تبقى فرحتهم لهم، وأن يُذكروا بوصفهم أصحاب المبادرة والإنجاز، لا أن تتحول تضحياتهم إلى واجهة دعائية لقيادات مليشيا الحوثي.