كتابات وآراء


الإثنين - 02 أغسطس 2021 - الساعة 05:40 م

كُتب بواسطة : خالد بريه - ارشيف الكاتب


منشور عابر
مما علقَ في ذاكرتي من عهد الصِّبا في مدينتي، أنَّ الناس هناك انقسموا في حبهم للغناءِ بينَ اثنين من فنَّانيها، كانا كفرسي رهان في السَّاحة الفنية التهامية.. وهما "علي الذّهبان"، والآخر يُدعىٰ "البيور"، وإذا صادفَ الحظُّ واجتمعا في مكانٍ واحد؛ فلا تسمعُ إلا صراخ الحاضرين؛ كمثلِ ما تجده اليوم في مدرجاتِ كرة القدم..!

في الشهر المنصرم، تفاعل كثيرٌ من الكتَّاب اليمنيين فيما سُمي بـ يومِ الأغنيةِ اليمنية، والجميع كما هي العادة، لم يركِّز - في الغالب - إلا على النَّمطِ الصنعانيِّ في الغناء، الذي ذاعَ واشتهر لشهرةِ وحظوة المكان الذي انبعثَ منه، إذ قُدِّر لنا أن نعيشَ حياتنا ونحن نتجه صوبَ محرابِ صنعاء، فكان لزامًا أن يجد كل شيء مرتبطٌ بصنعاء؛ حظوة لا ينالها غيره مما انتسبَ للمدنِ الأخرى، أو الأطراف!

حضرتُ في صباي أعراسًا كانت تقامُ في أزقةِ الحارات، تنصبُ خيمة كبيرة، مطرزة بزينةٍ مبهجة، مغطاة من جميع أطرافها، تمكثُ أيامًا كأنها أيامُ عيد، تتحول قُبَيلَ العرس إلى مكانٍ للسّمر، واللعب، والحكايات، ثم تتحول ليلة العرس إلى محفلٍ كبير يأتي إليه الناس من كلِّ مكان، لا سيما إن كان المغنيان "الذهبان"، و"البيور" هما من يُحييانِ ليلة العرس..!

كانت تنقضي الليلة أشبه ما تكون بمناظرةٍ شعرية، يغلفها الهجاء، يغني الذهبان أغنية شهيرة من أغانيه، ثم يعقبه البيور بأغنيةٍ أخرى كأنها تردُّ عليه؛ فيشتعل المكان، وتعلو الأصوات، والصفير، وهكذا حتىٰ مطلع الفجر!

ذكرني هذا بما قرأته في كتابٍ الأغاني للأصفهاني من أنه "كان لمغني مكّة مذهبٌ في الغناء، ولمغني المدينة مذهب، وكانَ بين الفريقينِ مفاخرة". وهذا ما كان يحدثُ في أزقةِ مدينة الحديدة على مدارِ سنوات!

كنتُ أشاهد العراك اللفظي؛ والجدل بينَ الفريقين، كأثرٍ واضح لما تحدثه أغانيهما، فهناكَ من يرىٰ أنَّ "الذهبان" أكثر تفننًا في العود، وفي صوته بحة مميزة، ولديه من الخبرة ما ليسَ عند غيره.. لكنَّ الفريق الآخر لا يُسلِّمُ بهذا، ويرى أنَّ "البيور" أعاد للأغنيةِ رونقها، ومن حسن صوته إذا غنىٰ أغنية لأحدهم فاق صاحب الأصل؛ وكأنه هو صاحبها ومفجرها.. فسقىٰ الله تلكَ الأيام الخوالي بكلِّ ظلالها!

كنتُ في قرارة نفسي أميل إلى "البيور" باعتباره صوت الشباب، وكان ظاهرة غنائية في تلكم الأيام، لكنَّ الحقيقة أنَّ الراحل علي ذهبان، كان أحد أهم الأصوات التهامية التي كانت تستحقّ أن تجد حضورًا واسعًا، وشهرة، ومكانة في الوسط الفني؛ لكن القدر رمىٰ به في مدينةِ الحديدة، فطاله النسيان، ووقع عليه التهميش كمدينته التي ينحدرُ منها.

"علي ذهبان" من الفنانين القلائل الذين أجادوا جميع الألوان اليمنية كعازف ومؤدٍّ وملحنٍ بارع وصاحب صوت صداح قلَّ مثيله. وهذا بشهادة جميع من عرفه، وسمع له، وكان مما يميزه إجادتُهُ لأنماط متعددة من الغناءِ اليمني، وعلى حدِّ تعبير الكاتب أكرم صالح: "لم يتمكن أحد من أن يغني أغنية “لي في ربا حاجر” كما غناها المرحوم علي ذهبان بأداءٍ متفرد دون طمسٍ لمعالمها".

رأيتُ علي ذهبان وأنا في المرحلةِ الإعدادية، وهو يؤذنُ في أحد مساجد الحديدة، بعد أن ترك الغناء فترة يسيرة، وكان يعيشُ في شظفٍ من العيش، كان صوته في الأذانِ دافئًا، رقراقًا، ثم لم تمنحه الحياة وقتًا طويلًا؛ إذ اخترمته المنية وهو في مقتبلِ العطاء الفني.. رحل بصمتٍ دون إشادةٍ من أحد..!

ما لم يتمكّن منه "الذهبان والبيور"؛ تمكنَ منه المبدع عبدالله آل سهل؛ إذ أعاد للوهجِ الفني التهامي مكانته التي يستحق، وخرج إلى العالمِ بفنٍّ أصيل، وطريقة حديثة، وبدا كأنه مارد سحبَ البساط من الجميع.. نأمل أن يوفق في مسيرته الفنية، دون الانجرار وراءَ الكم، نكتفي منه برائعةٍ واحدة في كلِّ عام، تُنشد من ورائه عقودًا من الزَّمن!