اخبار وتقارير

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 12:00 ص بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

المفترض أن يكون تشكيل أي حكومة قادمة في اليمن بعيدًا كليًا عن منطق المحاصصة الحزبية التي دمّرت الدولة وأفرغت مؤسساتها من معناها.

فكل من جُرِّب في الحكومات المتعاقبة منذ التسعينات وحتى اليوم، وكان جزءًا من الفشل والفساد والانهيار، لا ينبغي أن يعود ليتولى أي منصب جديد. لقد أثبتت التجربة المريرة أن إعادة تدوير الوجوه ذاتها لا تنتج إلا الفشل ذاته، وأن تغيير العناوين دون تغيير العقليات ليس سوى خداع للنفس وللشعب.

اليمن لا يحتاج إعادة إنتاج الماضي، بل يحتاج قطيعة حقيقية مع مرحلة كاملة من الإخفاق. طموح الشعب اليمني أن تُبنى الدولة على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة، لا على أساس الانتماء الحزبي أو التوازنات الضيقة. يريد اليمنيون دولة تحترم المؤهل، وتمنح الفرصة لمن يحمل العلم والخبرة والقدرة على الإدارة، لا لمن يحمل بطاقة حزب أو ولاء جماعة أو لقب قبلي.

ما نلحظه اليوم من اقتتال وصراعات داخل معسكر الشرعية وخارجه، هو في جوهره نتاج مباشر لهيمنة ذات الأسماء والعقليات. هؤلاء الذين إذا أُزيحوا من مواقعهم بدأوا في التخريب والعمل ضد الوطن وضد من يتولى المنصب بديلًا عنهم. وهكذا ظل اليمن يعيش ويدفع أبناؤه ثمن صراعات المسؤولين والأحزاب، دون أن يصل إلى موقع القرار حامل شهادة، أو بروفيسور، أو ناشط مستقل، أو سياسي مخضرم غير متحزب، لا يستمد شرعيته من قبيلة ولا من مليشيا ولا من مرجعية ضيقة.

تحوّل القادة إلى “قطعان”، وكل قطيع يريد تمزيق اليمن حتى لا يحكمه الآخر. وبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا، أصبحت غنيمة تُقتسم. فكانت النتيجة سنوات من القهر والتمزق والتشرذم، وانهيار مؤسسات، وضياع أجيال، وتآكل حلم الدولة في وعي المواطن.

اليوم تحاول المملكة العربية السعودية، بكل ما أوتيت من جهد، توحيد اليمنيين وردّ شيء من الهدوء والاستقرار لأبناء اليمن، وتحسين الأوضاع المعيشية المنهكة. هذا الدور يمكن أن يكون حاسمًا إذا ما اقترن بدفع حقيقي نحو تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة، لا تخضع لابتزاز الأحزاب ولا لشهية الفصائل.

لكن ما تزال هناك مهددات كثيرة، وفصائل تفتعل الأزمات وتشعل الحرائق وتناور، لا بحثًا عن وطن، بل عن حصة. تفتعل الأزمات، تلوّح بالسلاح، تزرع الفوضى، لا يهمها دم ولا استقرار، بقدر ما يهمها أن يكون لها مقعد في كل تشكيلة ومحاصصة. وهكذا نظل ندور في الحلقة ذاتها: أزمة، صفقة، حكومة، ثم أزمة جديدة.

وإذا أراد الرئيس الدكتور رشاد العليمي أن يقود اليمن إلى برّ الأمان، فعليه أن يبدأ بقرار شجاع يطوي صفحة الماضي بكل ما فيها من محاصصة وفشل وتدوير للعجز

عليه أن يُعلن بوضوح أن ما كان لن يعود، وأن الدولة لن تُدار بعقلية الغنيمة، بل بعقلية البناء. وأن يُفتح باب الدولة أمام الكفاءات الحقيقية، لا أمام الأسماء المستهلكة التي جرّبت وفشلت وأرهقت الوطن.

ويجب أن يحظى الشباب في قلب هذا التحول . فاليمن بلد شاب، وأكثر من ثلثي سكانه دون سن الثلاثين، لكنهم ظلوا لعقود خارج دائرة القرار، يُستخدمون وقودًا في الحروب، ولا يُستثمر فيهم كعقول قادرة على البناء. المطلوب اليوم إطلاق برامج وطنية حقيقية لتأهيل الشباب فكريًا وثقافيًا وإداريًا، عبر إنشاء معاهد للقيادة والإدارة العامة، وبرامج تدريب حكومية بالشراكة مع الجامعات ومراكز البحث، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في صناعة السياسات لا الاكتفاء بالتصفيق لها.

يمكن للحكومة أن تتبنى مشروعًا وطنيًا للنهضة الشبابية، يقوم على تنظيم ندوات فكرية، ومنتديات حوار، ومراكز إعداد قيادات شابة، تُغرس فيها قيم الدولة والمواطنة، ويُعاد فيها تعريف السياسة بوصفها خدمة عامة لا وسيلة للثراء أو الهيمنة. شباب يُربَّون على معنى الدولة، وعلى احترام القانون، وعلى أن المنصب تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا غنيمة.

فاليمن لن ينهض بذات الأدوات التي قادته إلى الانهيار، ولن يُبنى برجال الماضي، بل برجال دولة جدد يحملون مشروع إنقاذ وطني، ويضعون مصلحة اليمن فوق كل اعتبار. هذه هي معركة اليمن الحقيقية: دولة كفاءة في مواجهة دولة الغنيمة، ومستقبل يُصنع بعقول الشباب لا بأخطاء الأمس.