صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
في مرحلة تاريخية حرجة، لا تزال العاصمة صنعاء تحت سيطرة جماعة انقلابية مسلّحة، ويواجه اليمنيون واحدة من أقسى الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية. وفي هذا السياق، تبرز مشاهد مثيرة للقلق والاستياء، حيث ينشغل عدد من قيادات الشرعية بأنشطة اجتماعية واحتفالية، في توقيت يفترض أن تكون فيه الأولوية القصوى لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
وفي الوقت الذي تسيطر فيه جماعة الحوثي على مسار الطيران وإيرادات الدولة، تنشغل قيادات الشرعية بترتيبات أعراس أولادهم في عواصم عربية، مستعرضين حضورهم وسط كبار المسؤولين والدبلوماسيين، في مشهد يتناقض مع حجم المأساة اليومية التي يعيشها اليمنيون.
الجدل هنا لا ينصب على المناسبات الاجتماعية بحد ذاتها، بل على سياقها السياسي وتوقيتها الرمزي، وما تحمله من رسائل للمواطنين الذين يعيشون الحرب والفقر والنزوح وانهيار الخدمات. في ظل هذا التباين، تبدو هذه الممارسات وكأنها تعبير عن فجوة كبيرة بين معاناة الشعب وأداء النخبة السياسية المفترض بها قيادة معركة التحرير وبناء الدولة.
من منظور دستوري، الشرعية ليست توصيفًا اجتماعيًا أو امتيازًا شخصيًا، بل تفويض دستوري مؤقت مرتبط بمهمة محددة: استعادة الدولة ومؤسساتها. ويترتب على هذا التفويض التزامات قانونية وأخلاقية، أهمها التفرغ لإدارة الشأن العام، حماية مصالح الدولة العليا، والالتزام بمبدأ المسؤولية السياسية والقانونية الذي يُعد ركيزة أساسية في أي نظام دستوري.
غير أن الواقع يكشف إخفاقات متراكمة في تحويل الشرعية من كيان سياسي معترف به دوليًا إلى سلطة فاعلة على الأرض. ويعود ذلك إلى غياب الرؤية الاستراتيجية، وضعف الإدارة، وتقديم المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة الوطنية، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ الحكم الرشيد ويفقد المواطن ثقته بالقيادة.
فصنعاء ما تزال محتلة، وتعز محاصرة، وملايين اليمنيين يواجهون الفقر والمرض والنزوح، بينما لم تُسجّل اختراقات حقيقية في مسار استعادة الدولة أو تحسين الأوضاع المعيشية. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة العملية أسهم في تآكل الثقة الشعبية، وأثار تساؤلات مشروعة حول التزام بعض القيادات بالقانون والدستور.
ولا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته، إذ أسهم ضعف المحاسبة وغياب الضغط الشعبي المنظم في تطبيع الفشل السياسي وتحويل القصور إلى واقع مقبول بلا مساءلة، في مخالفة صريحة لمبدأ سيادة الشعب بوصفه مصدر السلطات.
إن استعادة الدولة لا تتحقق بالمظاهر ولا بالاحتفالات، بل بالعمل الجاد، وبوجود قيادة تدرك أن الشرعية تكليف لا تشريف، وأن السلطة تُقاس بما تحققه من إنجازات وطنية، لا بمكانة شاغليها أو علاقاتهم الاجتماعية.
يتطلب في المرحلة الراهنة أن تفرض مراجعة شاملة لمسار الشرعية وأداء قياداتها، وربط السلطة بالمساءلة القانونية والسياسية. فاليمن لا يحتمل مزيدًا من الإخفاق، والشعب الذي دفع أثمانًا باهظة يستحق قيادة تضع قضيته الوطنية فوق كل اعتبار، وتدرك أن المسؤولية الدستورية لا تؤجل ولا تُجزّأ.