اخبار وتقارير

السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 11:43 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

​لم تكن الانفجارات التي هزت العمق الإيراني، فجر الثامن والعشرين من فبراير، مجرد "جولة عقابية" تقليدية، بل كانت بمثابة رصاصة الرحمة على "قواعد الاشتباك" القديمة. اليوم، نحن لا نشهد حرباً بين دولتين، بل نشهد ولادة قيصرية لنظام أمني إقليمي جديد، يُكتب بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، من شواطئ الخليج وصولاً إلى ضفاف المتوسط.

​في سنوات مضت، وتحديداً حين كانت طهران في ذروة انتشائها باستهداف المنشآت الحيوية في السعودية والإمارات عبر وكلائها، اختارت الرياض لغة "الحكمة والهدوء"، وهو ما فسرته بعض الدوائر حينها بأنه ضعف، بينما كان في الحقيقة "إعادة ترتيب للأوراق".
أتذكر اليوم تلك المقابلة التاريخية التي أجراها الأمير محمد بن سلمان في مايو 2017 على قناة "العربية" والتلفزيون السعودي مع الإعلامي داود الشريان، حين قطع الشك باليقين قائلاً بلهجة الواثق: "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سوف نعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران".
​تلك العبارة التي بدت للكثيرين حينها مجرد وعيد سياسي، تتبدى اليوم كعقيدة عسكرية بدأت ملامحها تظهر في قدرة التحالفات الدولية على اختراق جدار الصد الإيراني وضرب العمق، في تحول يثبت أن "الرد المزلزل" لا يحتاج لضجيج، بل لفرصة استراتيجية مواتية.


​انتقال الرد الإيراني الحالي إلى استهداف القواعد الأمريكية في دول خليجية، يمثل محاولة يائسة لاستعادة توازن الردع المفقود. طهران لم تعد تحتمل كلفة القتال داخل حدودها، فلجأت لاستراتيجية "توسيع دائرة الكلفة"؛ وهي رسالة سياسية مغلفة بالبارود مفادها أن استقرار المنطقة بأكملها مرهون بسلامة نظامها.
​هذا التطور يضع "أمن الخليج" في قلب المحرقة مباشرة، ويحول القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة إلى "رهائن جيوستراتيجية" في صراع تجاوز مرحلة الوكلاء وبات مواجهة مباشرة بين "الأصلاء".


​بالتوازي مع انهمار الصواريخ، جاء التلويح بإغلاق مضيق هرمز ليرفع سقف الرهانات إلى مستويات انتحارية. تدرك طهران أن العصب الحساس للعالم ليس في الثكنات، بل في "أنابيب النفط". استهداف ممر يعبر منه خُمس الاستهلاك العالمي للنفط هو محاولة لفرض معادلة "الأمن للجميع أو الحريق للجميع".
​إننا أمام اختبار حقيقي لقدرة التحالفات الدولية على الصمود أمام "أزمة طاقة" قد تطيح بمعدلات النمو العالمي قبل أن تُحسم المعركة عسكرياً.


​المدقق في المشهد يرى بوضوح أن التحركات العسكرية الأخيرة ليست مجرد "رد فعل" لحظي، بل هي جزء من هندسة تحالف أمني عابر للقارات يمتد من شرق المتوسط وصولاً إلى المحيط الهندي، ويهدف إلى محاصرة "النفوذ الأخطبوطي" الإيراني. الجغرافيا الممتدة من حدود باكستان شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً أصبحت اليوم "مسرح عمليات واحد" مترابط، تتحكم فيه حسابات النفوذ الكوني والطاقة.



​نقدر نقول ونفسر ماحدث اليوم هو الإعلان الرسمي عن انتهاء زمن "الحروب بالظلال". المنطقة تقف الآن على حافة الهاوية؛ فإما أن تدفع ضخامة التكاليف الاقتصادية الأطراف نحو "طاولة تسوية كبرى" تعيد رسم التوازنات، أو أننا بصدد الانزلاق نحو حرب استنزاف إقليمية ستحرق معها خرائط الاستقرار التي استمرت لعقود.