اخبار وتقارير

الأربعاء - 04 مارس 2026 - الساعة 11:34 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - عبدالله الدروبي

في ظل تسارع وتيرة الأحداث واتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على الساحة الدولية: هل تتجه هذه الحرب إلى صدام إقليمي واسع، أم أنها قد تفتح الباب أمام حرب عالمية جديدة؟

تفوق استخباراتي واختلال في موازين القوة

تشير المعطيات الميدانية إلى أن ميزان القوة – في مرحلته الراهنة – يميل لصالح واشنطن وتل أبيب. فقد أظهرت العمليات العسكرية مستوى عالياً من الاختراق الاستخباراتي داخل البنية السياسية والعسكرية الإيرانية، ما أتاح تنفيذ ضربات استباقية دقيقة استهدفت مراكز حساسة في منظومة القرار.
ويؤكد خبراء الاستراتيجية أن التفوق الاستخباراتي يمنح صاحبه ما يقارب 70% من فرص النجاح في أي مواجهة عسكرية، فيما تتوزع النسبة المتبقية على عوامل التسليح، وكثافة المخزون، وكفاءة المقاتلين، والقدرة على إدارة المعركة. وفي هذه الجوانب أيضاً، تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل بفارق نوعي واضح في التكنولوجيا العسكرية وأنظمة الدفاع والهجوم المتطورة.
في المقابل، كشفت التطورات عن ثغرات أمنية واستخباراتية داخل المنظومة الإيرانية، الأمر الذي يضع طهران تحت ضغط كبير قد يدفعها إلى توسيع نطاق المواجهة، أملاً في خلط الأوراق وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.

توسيع مسرح العمليات… رسائل عسكرية أم مقامرة استراتيجية؟

محاولات استهداف قواعد عسكرية أمريكية في اليونان، والتصعيد عبر المجال الجوي التركي – حيث أسقطت أنظمة تابعة لـحلف شمال الأطلسي صاروخاً باليستياً – تمثل مؤشرات على انتقال الصراع من نطاقه الخليجي التقليدي إلى فضاء أوسع. كما أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يشكل أخطر أوراق الضغط الإيرانية، نظراً لأهمية المضيق في حركة الطاقة العالمية.
أي تعطيل لإمدادات النفط سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ما ينعكس مباشرة على اقتصادات كبرى، في مقدمتها الصين التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي. ومن غير المرجح أن تقف بكين موقف المتفرج إذا تعرض أمن الطاقة لديها لتهديد مباشر؛ إذ قد تلجأ إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية، وربما إلى خطوات أكثر حزماً لحماية مصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، تسعى واشنطن إلى تحييد الصين وإبعادها عن مسرح المواجهة، عبر ضمان أمن الممرات البحرية ومنع أي تأثير جوهري على تدفق الطاقة نحو الأسواق الآسيوية.

البرجماتية الروسية… دعم محسوب وتوازنات دقيقة


أما الموقف الروسي، فيُتوقع أن يتسم بالبرجماتية التقليدية. فموسكو قد تقدم دعماً تقنياً وعسكرياً لطهران – سواء عبر أنظمة دفاعية متطورة أو صفقات تسليح نوعية – لكن ذلك سيبقى ضمن حسابات دقيقة توازن بين مصالحها الاستراتيجية ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
كما ستعمل روسيا على استثمار الساحة الدبلوماسية، خصوصاً في مجلس الأمن، لإدانة التحركات الأمريكية والإسرائيلية، وتوسيع شبكة تحالفاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في مواجهة ما تصفه بالهيمنة الأمريكية.

بين الحسم السريع والانزلاق العالمي
من منظور استراتيجي

تميل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خيار الحسم السريع، إدراكاً منهما أن إطالة أمد الحرب قد يؤدي إلى توسيعها جغرافياً واقتصادياً. فالمعركة المقبلة – إن استمرت – ستدور حول السيطرة على طرق الملاحة الدولية في البحر العربي والبحر الأحمر، وضمان أمنها الكامل.
ولفرض هذه السيطرة، سيكون تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية أولوية قصوى. غير أن ذلك قد يدفع طهران إلى تغيير استراتيجيتها نحو أسلوب العمليات الخاصة واستهداف السفن في مضيق هرمز، إضافة إلى اعتماد تكتيكات الاستنزاف غير المباشر.
وفي حال تصاعدت المواجهة إلى هذا المستوى، قد تبرز سيناريوهات أكثر تعقيداً، من بينها دعم قوى معارضة داخلية، أو حتى التفكير في عمليات برية محدودة، وهي خطوات تحمل مخاطر توسع النزاع وتحوله إلى صراع متعدد الأطراف.


حرب إقليمية أم شرارة عالمية؟


حتى اللحظة، تبدو جميع الأطراف مدركة لخطورة الانزلاق نحو حرب عالمية شاملة، خصوصاً في ظل الترابط الاقتصادي العالمي وتشابك المصالح بين القوى الكبرى. لذلك يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تصعيد محسوب يتبعه ضغط دبلوماسي مكثف لاحتواء الموقف والدفع نحو مفاوضات.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيراً ما بدأت بخطأ في الحسابات أو قراءة غير دقيقة لنوايا الخصوم. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإرادة الحرب، بل بقدرة الأطراف على ضبط إيقاعها قبل أن تتجاوز الخطوط الحمراء الدولية.
وفي عالم يقف على مفترق طرق استراتيجي، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كانت هذه المواجهة ستظل ضمن حدود الصراع الإقليمي، أم أنها ستتحول إلى اختبار جديد للنظام الدولي بأسره.

بقلم / عبدالله الدروبي