منوعات

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - الساعة 11:34 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل


لم يكن عبد الرحمن عبد الله الحضرمي مجرد راوٍ لأحداث مضت، بل كان ذاكرةً نابضةً تمشي على الأرض، تحفظ لـ زبيد روحها، وتصون لتاريخها ملامحه من الضياع. كان إذا تحدّث، شعرت أن الأزمنة تتقارب، وأن الماضي يمدّ يده للحاضر عبر كلماته.
تميّز الحضرمي بذاكرة استثنائية ودقة نادرة، فلم يكتفِ بالسرد، بل أعاد تشكيل الوقائع بروح الباحث المحقق، حتى غدت كتاباته مراجع لا يُستغنى عنها لكل من أراد الغوص في تاريخ تهامة واليمن.
 لم يكن يكتب ليملأ صفحات، بل ليؤدي رسالة، ويصون أمانة.
وفي تلك الصورة التي تجمعه بأحد الباحثين، تتجلّى إنسانيته قبل علمه؛ مجلسٌ بسيط، لكنّه عامر بالفكر، وبابٌ مفتوح لكل طالب معرفة. كان يستقبل زواره بكرم العلماء، لا يفرّق بين مبتدئ ومتمرس، فالجميع عنده أبناءُ شغفٍ واحد.
لقد خلّف إرثاً علمياً ثرياً، من أبرز معالمه:
تحقيق مخطوطات نادرة أخرجها من عتمة النسيان إلى نور البحث.
توثيق الأنساب والتراجم لأعلام اليمن، فحفظ بهم ذاكرة الناس كما حفظ ذاكرة المكان.
إبراز مكانة زبيد كمنارة علمية، والمساهمة في ترسيخ حضورها ضمن التراث الإنساني العالمي.
كان يؤمن أن قيمة المؤرخ لا تُقاس بكثرة ما يكتب، بل بصدق ما ينقل، وبوفائه للحقيقة. ولذلك، بقيت كلماته حيّة، لا يعتريها الزمن، لأنها كُتبت بضميرٍ يقظ وقلبٍ مخلص.
رحم الله عبد الرحمن عبد الله الحضرمي، فقد رحل الجسد، لكن ذاكرة زبيد لا تزال تنبض به، شاهدةً على رجلٍ عاش للتاريخ… فصار جزءاً منه.