اخبار وتقارير

الجمعة - 10 أبريل 2026 - الساعة 10:27 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد غيلان

في خضم التهدئة الهشة التي تلوح في أفق الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، يتجه جزء كبير من النقاش الدولي نحو تأمين ممرات الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، وكأن الأزمة تختزل في خطوط الملاحة وحدها، بينما يتم تجاهل حقيقة أن مصادر الطاقة نفسها في الخليج كانت ولا تزال تحت النار.

هذه المفارقة ليست مجرد خلل في الأولويات، بل تعكس اختلالًا عميقًا في فهم طبيعة التهديد، وفي تقدير موقع دول الخليج والدول العربية في هذه المعادلة.

دول تدفع ثمن حرب لم تدخلها

منذ اليوم الأول للحرب، كان موقف دول الخليج واضحاً وصريحاً ومعلناً بأنها ليست طرفًا في الصراع، ودعت إلى التهدئة والسلام. ومع ذلك، وجدت نفسها تحت النيران، وتعرضت منشآتها الحيوية لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، واستُهدفت موانئها ومطاراتها وحتى مدنها بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، وتضررت منشآت نفطية وبنى تحتية، وتكبدت خسائر بشرية ومادية واقتصادية ومعنوية.

هذه الوقائع تؤكد أن دول الخليج لم تكن خارج الحرب… بل أصرت إيران على أن تجعلها ضمن أهدافها المباشرة.

منظومة تهديدات حقيقية

لقد أثبتت الحرب أن التهديد الإيراني لا يقتصر على الصواريخ أو البرنامج النووي، بل هو منظومة متكاملة من أدوات الضغط وعدم الاستقرار تشمل: البرامج الصاروخية، والمسيّرات، والقدرات العسكرية التقليدية، وشبكة الأذرع المسلحة في المنطقة، والخلايا المرتبطة بها داخل عدد من الدول.

وهنا تحديدًا يتضح أن أمن دول الخليج لا يمكن ضمانه بتفكيك جزء من هذه المنظومة وترك بقية الأجزاء..

فأي مقاربة تركز على البرنامج النووي وحده، أو حتى الصاروخي، دون معالجة ملف الأذرع والجماعات المرتبطة بإيران، ستُبقي التهديد قائمًا، بل وقابلًا للتوسع في أي لحظة.


معادلة مقلوبة يجب تصحيحها

إن أي حديث عن استقرار أسواق الطاقة العالمية يفقد معناه إذا لم يبدأ بحماية مصادر الطاقة قبل ممراتها.

فالعالم يعتمد -بشكل كبير- على نفط وغاز دول الخليج، وأي خلل في هذه المصادر لا يمكن تعويضه بسهولة، ولا يمكن احتواؤه بمجرد تأمين خطوط الملاحة.
وبالتالي فإن عدم تأمين منشآت الإنتاج، وإعادة بناء ما دمرته الهجمات، سيُبقي خطر نقص الطاقة وارتفاع أسعارها قائمًا، ليس فقط في المنطقة، بل في الاقتصاد العالمي بأكمله.

استجابة للابتزاز وتجاهل للحقوق

في الوقت الذي يستخدم فيه النظام الإيراني ورقة مضيق هرمز، ويهدد بإغلاق مضيق باب المندب كأدوات ضغط، تبدو الاستجابة الدولية لهذا الابتزاز أكثر سرعة، مقارنة بالتعامل مع مطالب دول الخليج المشروعة.

وستظهر المفارقة المريبة -وغير المقبولة- حين يُطلب من دول الخليج أن تواصل إمداد العالم بالطاقة، بينما تُترك منشآتها تحت التهديد، وأمنها دون ضمانات حقيقية.

فمضيق هرمز ممر دولي، ولا يحق لأي طرف احتكاره أو مساومة العالم عليه.. وبالمقابل، فإن من حق الدول المنتجة للطاقة أن تفرض شروطها لحماية هذه الموارد.

حقوق مشروعة لا لبس فيها

من حق دول الخليج والدول العربية المتضررة أن تضع أمنها واستقرارها وسيادتها واقتصادها في صدارة أي عملية تفاوض، بل إن من حقها أن تشترط -بشكل واضح وصريح- معالجة كل مصادر التهديد قبل العودة الكاملة إلى إمداد الأسواق بالطاقة، وبما يشمل: تفكيك البرامج النووية والصاروخية، وتحييد القدرات العسكرية التي تستهدفها، بالإضافة إلى وقف دعم الأذرع المسلحة في المنطقة، وتفكيك الخلايا المرتبطة بها داخل الدول، وتقديم ضمانات حقيقية بعدم تكرار الاعتداءات.

وليس من العدل مطالبة هذه الدول بالاستمرار في ضخ النفط للأسواق العالمية، دون تلبية مطالبها المشروعة، بينما العالم ذاته يستجيب لابتزاز التهديد بالممرات، ويتجاهل التهديد المباشر لمصادر الطاقة.

دور لا يمكن تجاوزه

إن دول الخليج اليوم ليست مجرد متلقٍ للتداعيات، بل هي طرف متضرر وصاحب حق أصيل في أي ترتيبات قادمة، ومن حقها أن تطالب قبل أي شيء بـإشراكها الكامل في أي مفاوضات، وضمانات أمنية حقيقية، وتعويضات عن الخسائر، وإعادة إعمار المنشآت المتضررة.. والاعتراف الصريح بالاعتداءات التي طالت سيادتها والاعتذار عنها.
كما أن من حقها أن تعيد النظر في تحالفاتها، وأن تتخذ ما تراه مناسبًا من إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية لحماية مصالحها.

الخلاصة
لا يمكن بناء استقرار حقيقي في المنطقة دون معالجة جذرية لمصادر التهديد.
ولا يمكن استقرار أسواق الطاقة دون تأمين الدول التي تنتج هذه الطاقة.
وأي تسوية تتجاهل أمن دول الخليج، أو خطر الأذرع المسلحة، أو استهداف مصادر الطاقة هي تسوية ناقصة، بل وقابلة للانهيار في أي لحظة.

فحين تُهمَّش هذه الحقائق ويتم تجاهل هذه الدول، لا يُظلم طرف إقليمي فقط، بل يختل ميزان الأمن والطاقة في العالم بأسره.