صدى الساحل - أعد التحقيق - أحمد حوذان
منذ أكثر من ثلاث سنوات، تختفي الناشطة الحقوقية اليمنية فاطمة العرولي خلف جدران الاحتجاز، بينما يكبر طفلان بعيداً عن والدتهما. قضية لم تعد مجرد ملف فردي، بل تحوّلت – وفق حقوقيين وصحفيين وقانونيين – إلى نموذج صارخ لما يصفونه بانهيار منظومة العدالة وغياب الضمانات القانونية في اليمن، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات ممنهجة تطال مدنيين وناشطين وصحفيين على حد سواء.
ورغم تزايد المناشدات المحلية والدولية، لا تزال العرولي قيد الاحتجاز منذ عام 2022، في قضية باتت تُستخدم – بحسب شهادات متقاطعة – كمرآة تعكس واقعاً حقوقياً بالغ التعقيد.
“فاطمة العرولي”.. أمّ في الزنزانة وملف يفضح هشاشة العدالة في اليمن
تتواصل في اليمن موجة من المطالبات الحقوقية والشعبية للإفراج عن الناشطة فاطمة العرولي، المحتجزة منذ عام 2022، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تدهور أوضاع الحريات العامة واتساع دائرة الاحتجازات خارج إطار الإجراءات القانونية.
قضيتها، وفق حقوقيين، لم تعد “واقعة فردية”، بل باتت تمثل – كما يقولون – نموذجاً متكرراً لما يصفونه بانتهاكات تطال الصحفيين والناشطين، وسط غياب أي مؤشرات على حل قريب.
من نشاط مدني إلى ملف احتجاز
وفق إفادات متطابقة من شخصيات اجتماعية وحقوقية، كانت العرولي تنشط في المجال المدني وتمارس حياتها بشكل طبيعي، بما في ذلك التنقل والعمل التجاري بين اليمن والخارج.
يقول الشيخ عبدالله العبدلي، أحد وجهاء محافظة البيضاء، إن ما حدث معها “يمثل ظلمًا واضحًا ومؤلمًا”، مضيفًا أن احتجازها جاء أثناء تنقلها عام 2022، قبل أن تُنقل إلى صنعاء، مع إجراءات لاحقة يصفها بأنها “تفتقر إلى العدالة والشفافية”.
ويضيف العبدلي أن التهم التي أُشير إليها في القضية “لم تُعرض للرأي العام بشكل واضح”، معتبرًا أن ما جرى “يتجاوز حدود الخلاف القانوني إلى ما هو أعمق من ذلك”.
خلفية موثقة في تقارير وشهادات سابقة
تشير إفادات حقوقية متطابقة إلى أن العرولي كانت ناشطة في المجال المدني والأنشطة المجتمعية، إضافة إلى نشاط تجاري وتنقّل بين اليمن والخارج، قبل توقيفها عام 2022 أثناء رحلة داخل البلاد.
كما نقلت تقارير حقوقية محلية سابقة أن احتجازها جاء ضمن موجة أوسع طالت ناشطين ونساء في تلك الفترة، وسط اتهامات باستخدام “تهم أمنية جاهزة” ضد مدنيين دون إجراءات قضائية شفافة.
وبحسب مصادر حقوقية مطلعة، فقد أُشير في مراحل لاحقة من القضية إلى صدور أحكام قاسية بحقها، بينها حكم بالإعدام – وفق ما تداولته منظمات محلية – وهو ما لم يتم تأكيده أو نشره بشكل رسمي علني متكامل، ما زاد من الغموض القانوني حول ملفها.
“انتهاكات ممنهجة لا تميّز بين أحد”
يقول الصحفي حمزة الجبيحي إن استمرار احتجاز العرولي يعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات، مضيفاً:
“استمرار ميليشيات الحوثي في اعتقال الناشطة فاطمة العرولي، وهي أم لطفلين، لا يمثل حالة استثنائية. هناك نمط من الانتهاك لا يفرّق بين رجل وامرأة أو بين ناشط وآخر.”
ويضيف الجبيحي أن ما يزيد من تعقيد المشهد – بحسب رأيه – هو “صمت المجتمع الدولي”، الذي يعتبره عاملاً مساهماً في استمرار هذه الانتهاكات.
“جريمة جسيمة تتجاوز القانون”
من جانبه، يذهب المحامي مصطفى العلفي إلى توصيف أكثر حدة، معتبراً أن استمرار احتجاز العرولي يمثل انتهاكاً مركباً للقانون الدولي:
“ما تتعرض له فاطمة العرولي ليس مجرد احتجاز، بل جريمة جسيمة تكشف استهتاراً واضحاً بالقوانين والأعراف الدولية.”
ويؤكد العلفي أن استمرار احتجازها دون محاكمة عادلة أو ضمانات قانونية يمثل – بحسب تعبيره – “خرقاً صريحاً للحق في الحرية والأمن الشخصي”.
أصوات ميدانية: “قضية تمس المجتمع كله”
ويرى المحامي الحقوقي منير الجبري أن استمرار احتجاز العرولي “يمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ المحاكمة العادلة والضمانات القانونية المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان”.
وأوضح أن احتجازها لفترة طويلة دون تمكينها من حقوق الدفاع أو التواصل مع أسرتها يشكل “مساسًا مباشرًا بالحق في الحرية والأمان الشخصي”، مضيفًا أن القضية تعكس “تحديات أوسع تواجه ملف الحقوق في اليمن”.
في لقاءات ميدانية، عبّر ناشطون ومواطنون في لقاءات اجراها الصحفي أحمد حوذان عن إدانتهم لاستمرار احتجاز العرولي، مؤكدين أن القضية لم تعد محصورة في بعدها الفردي.
إحدى الناشطات تقول:
الناشطة حماس المظفر “رسالتي ليست للجهات المسيطرة، بل للمنظمات الدولية ونقابة الصحفيين، يجب التحرك العاجل للإفراج عن جميع المختطفين، وعلى رأسهم فاطمة العرولي.”
وتضيف أن شهادات لمفرج عنهم من سجون احتجاز سابقة تحدثت عن “انتهاكات قاسية وظروف احتجاز صعبة”، ما يستدعي – بحسب قولها – تحقيقات مستقلة وشفافة.
ويرى مواطنون أن استمرار هذه القضايا يعكس “ضعف منظومة الحماية القانونية وغياب المساءلة”، فيما يعتبر آخرون أنها أصبحت “جزءًا من أزمة إنسانية أوسع تطال آلاف الأسر”.
سجل انتهاكات أوسع ضد النساء
تشير شهادات حقوقيين وناشطين إلى أن قضية العرولي ليست معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من الانتهاكات التي طالت نساء وناشطات في اليمن خلال سنوات الحرب.
وتتهم منظمات حقوقية جماعة الحوثي بارتكاب ممارسات تشمل الاعتقال التعسفي، والاحتجاز دون محاكمة، وإخضاع المحتجزين لإجراءات وصفها حقوقيون بأنها “خارج إطار القانون”.
كما يلفت حقوقيون إلى أن العادات القبلية اليمنية تاريخياً تعتبر استهداف النساء في النزاعات “خطاً أحمر اجتماعياً”، وأن استمرار احتجاز نساء في قضايا ذات طابع سياسي أو أمني يمثل – وفق وصفهم – “تجاوزاً مضاعفاً للقانون وللأعراف القبلية معاً”، ما يفاقم حساسية الملف اجتماعياً.
القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين.. إشكاليات قانونية
يرى قانونيون أن القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين يواجه إشكاليات تتعلق بالاستقلالية والإجراءات، وسط اتهامات باستخدامه كأداة لتثبيت قرارات أمنية.
ويشيرون إلى أن نقل المحكمة الجزائية المتخصصة إلى مأرب بقرار رئاسي سابق في عهد الرئيس عبدربه منصور هادي، خلق حالة ازدواج قضائي، في ظل استمرار محاكمات داخل صنعاء لا تحظى – وفق هؤلاء – بالاعتراف القانوني الكامل لدى الحكومة اليمنية.
ويؤكد حقوقيون أن هذا التضارب القضائي ساهم في تعقيد ملفات معتقلين، بينهم العرولي، وفتح الباب أمام أحكام متباينة وغياب المسار القانوني الموحد.
معاناة إنسانية مضاعفة
وتبرز في شهادات متعددة الإشارة إلى البعد الإنساني للقضية، إذ أن العرولي أم لطفلين، وهو ما اعتبره حقوقيون عاملاً يزيد من حدة المعاناة.
ويشير محامون وناشطون إلى أن استمرار احتجازها “لا يضر فقط بالضحية، بل ينعكس على الأسرة والأطفال بشكل مباشر”.
قراءة حقوقية أوسع
وفق شهادات متقاطعة من صحفيين وحقوقيين، فإن قضية العرولي تعكس ثلاثة مستويات من الإشكال:
غياب ضمانات المحاكمة العادلة
توسع حالات الاحتجاز خارج الأطر القانونية
تراجع فاعلية الضغط الدولي في ملفات المعتقلين
ويحذر حقوقيون من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى “ترسيخ واقع جديد من الإفلات من المحاسبة”.
الموقف الحقوقي الدولي: دعوات غير كافية؟
حتى الآن، لا تزال الدعوات الحقوقية المحلية تطالب بتحرك دولي أكثر فاعلية، إلا أن هذه الدعوات – بحسب ناشطين – لم تتحول إلى إجراءات ملموسة على الأرض، ما يثير تساؤلات حول فعالية النظام الدولي في التعامل مع ملفات الاعتقال المطوّل في مناطق النزاع.
تبقى قضية فاطمة العرولي، وفق توصيف حقوقيين وقانونيين، واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد اليمني الراهن، ليس فقط بسبب ظروف احتجازها، بل لأنها باتت تمثل اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية منظومة الحقوق والحريات.
وبين استمرار الاحتجاز وتزايد الأصوات المطالِبة بالإفراج، تظل الحقيقة الأبرز أن ملف العرولي تجاوز حدود القضية الفردية، ليصبح عنواناً مفتوحاً على أزمة حقوقية أوسع في اليمن.