صدى الساحل - متابعه - وكالة - 2ديسمبر
يطل علينا السابع والعشرون من أبريل كشاهدٍ على واحدة من أعظم التحولات البنيوية في تاريخ اليمن الحديث؛ إنه اليوم الذي غادر فيه اليمنيون مربع التوافقات النخبوية إلى فضاء المشاركة الشعبية، ليودعوا أحلامهم وتطلعاتهم في صناديق الاقتراع، معلنين في عام 1993 ميلاد عهد جديد من التعددية السياسية التي أعقبت قيام الوحدة المباركة.
لقد شكلت تلك الانتخابات إعلانًا دستوريًا وقانونيًا عن هوية الدولة اليمنية الجديدة؛ دولة مدنية تحتكم للشعب وتحترم إرادة الإنسان، وتفسح المجال للتنافس الحزبي الشفاف، كما تجلت في تلك اللحظة التاريخية، حكمة الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، الذي أرسى مداميك الانفتاح السياسي، مؤمنًا بأن قوة الدولة تكمن في تمثيل إرادة مواطنيها، وهو ما أفرز لاحقًا تجارب رائدة مثل المجالس المحلية التي نقلت القرار من المركز إلى المواطن، معززةً مبدأ اللامركزية والشراكة التنموية.
وباتت استعادة زخم هذا التاريخ اليوم أكثر من مجرد استدعاء للذاكرة؛ فهي- خاصة في هذه اللحظة المفصلية- ضرورة وطنية تفرضها التحديات الوجودية التي تعصف بالبلاد؛ فاليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق بين مشروعين لا يلتقيان، الأول مشروع الـ27 من أبريل القائم على الديمقراطية والتعددية، والثاني المشروع الحوثي الإيراني الذي يحاول هدم جدار الجمهورية واستبدال صندوق الاقتراع بخرافة "الولاية" والاصطفاء السلالي المزعوم.
إن ما تقوم به مليشيا الحوثي الإرهابية اليوم هو نقيض كامل لكل ما أنجزه اليمنيون في عقودهم الماضية؛ فهي تسعى لاحتكار السلطة وتجريف الحياة السياسية بمختلف الوسائل القسرية والدامية، محولةً الدولة من مؤسسة تمثل الجميع تحت مظلة المساواة إلى إقطاعية تخدم مشروعًا طائفيًا عنصريًا غريبًا عن تربة اليمن وتاريخه النضالي.
ويأتي حلول هذه الذكرى الراسخة في الذاكرة الوطنية ليجدد اليقين بأن أي مسار لاستعادة الدولة لن يُكتب له النجاح إلا إذا تمسك بجوهر الجمهورية ممثلًا بالمشاركة الشعبية والتداول السلمي للسلطة؛ فالديمقراطية التي وُلِدت في ذلك اليوم وُجِدت لتبقى على الدوام قدرًا لليمنيين، وضرورة حتمية للاستقرار الوطني وتحقيق السلم الاجتماعي، وصمام أمان لحماية تلك الأحلام التي أودعها الشعب يومًا في صناديق الاقتراع.