صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي
منذ انقلاب المليشيات الحوثية، لم تكن الكارثة مقتصرة على إسقاط مؤسسات الدولة في مناطق سيطرتها، بل امتدت آثارها إلى المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة الشرعية، حيث تحولت موارد الدولة إلى غنائم تتقاسمها قوى نافذة، وجرى تعطيل أهم ركائز الاستقرار المالي برفض توريد الإيرادات إلى البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن وفروعه في المحافظات. وكانت النتيجة انهياراً اقتصادياً متسارعاً، وتدهوراً حاداً في قيمة العملة، وارتفاعاً جنونياً في الأسعار، وخدمات عامة تكاد تختفي من حياة المواطنين.
على مدى أكثر من عقد، تعرضت إيرادات الدولة لنهب منظم تقوده مراكز نفوذ سياسية وعسكرية وإدارية، استباحت المال العام واعتبرته مورداً خاصاً، بينما تُرك الشعب يواجه مصيراً معيشياً قاسياً يتدهور يوماً بعد آخر. موارد النفط والغاز والضرائب والجمارك والواجبات في المحافظات المحررة لم تعد تصب في خزينة الدولة، بل حُوّلت إلى حسابات خاصة تديرها قوى نافذة، في مشهد يجسد أبشع صور العبث المالي والانفلات الإداري.
في الآونة الأخيرة، بدأ مجلس القيادة الرئاسي ما يشبه معركة استعادة الدولة من قبضة المتنفذين، ونجح في إخضاع عدد من المحافظات لإعادة توريد مواردها إلى البنك المركزي. غير أن محافظات مأرب وحضرموت وتعز والمهرة ما زالت تمثل عقدة حقيقية في طريق الإصلاح، بعد أن امتنعت سلطاتها المحلية عن الالتزام بتوريد الموارد المالية إلى الحساب العام، في تحدٍ واضح لهيبة الدولة ومؤسساتها.
لقد صدرت قرارات رئاسية حازمة تقضي بإغلاق أي حسابات خارج البنك المركزي، وتوريد كافة الموارد إلى الحساب العام، وتفعيل الأجهزة الرقابية وتعزيز جهود مكافحة الفساد. وهي قرارات تعكس إدراكاً متأخراً لحجم الكارثة، لكنها لن تكون ذات قيمة إن لم تُنفذ بصرامة، وبعيداً عن المجاملات السياسية أو الحسابات الضيقة التي أنهكت الدولة وأفقرت الشعب.
إن معركة السيطرة على موارد الدولة ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل. فمجلس القيادة الرئاسي معني بمتابعة التنفيذ الصارم لقراراته، وتوحيد الوعاء الإيرادي، ومنع أي تدخلات مخالفة للقانون، واستعادة الانضباط المالي والسيادي الذي يضمن توزيعاً عادلاً للموارد بين المحافظات، ويضع حداً لاقتصاد المليشيات ومراكز النفوذ.
نجاح الإصلاحات الاقتصادية وبقاء الحكومة الشرعية نفسها مرهونان باستكمال استعادة موارد الدولة، وفي مقدمتها عوائد النفط والغاز من مأرب وحضرموت، اللتين تمثلان الشريان المالي الأهم للدولة. إن استمرار احتجاز هذه الموارد خارج البنك المركزي يقوض خطط الإصلاح الاقتصادي المدعومة دولياً، ويهدد بإطالة أمد الأزمة، وتوسيع فجوة الانقسام المالي والسياسي، ويضع الحكومة أمام عجز دائم عن دفع المرتبات وتحسين الخدمات ووقف انهيار العملة.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن تبقى موارد الدولة رهينة بيد قوى محلية أو حسابات خاصة، فيما الشعب يئن تحت وطأة الفقر وغلاء المعيشة. فإما أن تنتصر الدولة في معركة استعادة مواردها، أو يستمر الانهيار حتى يصل إلى نقطة اللاعودة، حيث لا تنفع القرارات ولا تجدي الوعود.