اخبار وتقارير

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 09:46 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب

في لحظات الأزمات الكبرى تمر الأوطان باختبارات صعبة، وتظهر الخلافات وتتصاعد الخصومات وتتباين المواقف، لكن يبقى هناك حقيقة لا تتغير مهما اشتدت العواصف ، الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، وأهم من الجميع.
لقد عاشت اليمن سنوات طويلة من الصراع والانقسام، حتى أصبح الخلاف هو المشهد المعتاد، وأصبحت لغة التخوين والإقصاء أعلى صوت من لغة الحوار والتفاهم. وخلال هذه السنوات خسر الجميع شيئًا من أحلامهم، وخسر الوطن الكثير من استقراره وقوته وقدرته على النهوض.
ومع ذلك، فإن الحكمة الوطنية الذي اراد طارق صالح ان يفهمها الجميع أن الأوطان لا تُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الشراكة والمسؤولية. فحين تشتعل الحرائق لا يسأل العقلاء عن خلافاتهم القديمة، بل يبحثون عن الماء لإطفاء النار قبل أن تلتهم البيت كله.واليمن اليوم بحاجة إلى هذه الروح أكثر من أي وقت مضى. بحاجة إلى أن يتذكر أبناؤه أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وأن مستقبل الأجيال القادمة أهم من حسابات اللحظة السياسية، وأن الوطن مساحة مشتركة للجميع.

لقد أثبتت التجارب والاحداث أن الكراهية لا تبني دولة، وأن الثأر السياسي لا ينتج مستقبل. فكم من شعوب مزقتها الصراعات ثم اكتشفت في النهاية أن طريق الخلاص يبدأ من المصالحة والتفاهم والعودة إلى المشتركات الوطنية.
لذالك الدعوة إلى العودة للصف الوطني ليست دعوة للاستسلام لأحد، ولا تنازل عن المبادئ، بل هي دعوة للانتصار للوطن أولًا. فالوطن عندما يضعف يخسر الجميع، وعندما ينهض يستفيد الجميع.ولا يمكن لأي مشروع سياسي أو عسكري أو حزبي أن ينجح إذا فشل الوطن نفسه. فما قيمة المكاسب الصغيرة إذا كان البلد كله يتراجع؟ وما جدوى الانتصارات إذا كان المواطن يفقد الأمن والعيش الكريم والأمل بالمستقبل؟
اليمن اليوم بحاجة إلى عقلية جديدة تتجاوز أخطاء الماضي، وتنظر إلى المستقبل بعين المسؤولية لا بعين الخصومة، وبحاجة إلى شخصيات وقوى تدرك أن بناء الدولة أهم من تسجيل النقاط، وأن لمّ الشمل أهم من توسيع دائرة الخلاف.ولهذا يجب أن تبقى أبواب العودة مفتوحة، وأن تبقى اليد ممدودة لكل من يريد أن يضع مصلحة اليمن فوق أي اعتبار آخر. فالوطن لا يملك خسارة المزيد من أبنائه، ولا يحتمل استمرار النزيف السياسي والاجتماعي الذي أنهك الجميع. والتاريخ لا يخلد من أشعلوا الخصومات، أنما يخلد من امتلكوا الشجاعة لإطفائها عندما كانت المصلحة الوطنية تتطلب ذلك.
لايمكن لليمن أن ينهض بالكراهية، ولايمكن أن يستعيد عافيته بالانتقام، ولن يبني مستقبله بالتشكيك المتبادل. بل سينهض عندما يؤمن أبناؤه أن الوطن يتسع للجميع، وأن الدولة العادلة هي المظلة التي تحمي الجميع، وأن الاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى قطيعة دائمة.
قد نختلف في الرؤى والمواقف، وقد تتباين الحسابات والتقديرات، لكن لا ينبغي أن نختلف على اليمن نفسه. فاليمن كان قبلنا وسيبقى بعدنا، وما نفعله اليوم سيحدد شكل الوطن الذي سيرثه أبناؤنا غدًا.
لهذا فإن الرسالة التي يجب أن تسمعها كل الأطراف هي أن الوطن للجميع، وأن الفرصة لا تزال قائمة لكل من يريد أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.
ففي النهاية، لا يوجد منتصر حقيقي إذا خسر الوطن، ولا يوجد خاسر حقيقي إذا انتصر اليمن.
وسيأتي يوم يدرك فيه الجميع أن الطريق الأقصر إلى المستقبل لم يكن طريق الخصومة، بل طريق الوطن.