صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
في يوم الصحافة اليمنية، لا أجد وصفًا أدق لهذه المهنة من القول إن الصحفي هو الوطن حين ينطق، وهو المواطن حين يكتب، وهو الضمير حين يراقب، وهو الجسر الذي تعبر عليه الحقيقة من الواقع إلى الناس. فالصحافة ليست وظيفة أو وسيلة لكسب الرزق فحسب، بل رسالة ومسؤولية وأمانة، وقد تكون في كثير من الأحيان موقفًا أخلاقيًا يدفع صاحبه ثمنه من راحته وأمنه ومستقبله.
على الصحفيين المبتدئين، عند محاولتكم للكتابة حول موضوع ما، سواء كان مقالًا أو تقريرًا أو خبرًا، ألا تيأسوا إذا لم تقبل وسيلة إعلامية نشر ما تكتبون. فالنشر ليس نهاية الفكرة ولا معيار قيمتها. الكلمة التي لا تُنشر اليوم قد تتحول غدًا إلى مادة تُقرأ على نطاق واسع، وقد تصبح لاحقًا مرجعًا يُستشهد به في سياق مختلف تمامًا.
قبل وصول الإنترنت كنا ننزل إلى الميدان، ونكتب التقارير، ونخسر المال والجهد والوقت، ثم نقدم أعمالنا للصحف وننتظر أسابيع وربما أشهرًا. وفي يوم من الأيام نتفاجأ بأن التقرير قد نُشر وأصبح مادة يتداولها الناس. وكان ذلك كافيًا ليؤكد لنا أن المادة الصحفية الحقيقية لا تموت، وأن قيمتها ليست في سرعة ظهورها، بل في قدرتها على البقاء والتأثير.
هذا الأمر يعرفه الصحفيون المحترفون الذين يدركون قيمة المادة الاستطلاعية الميدانية، وأن العمل الصحفي ليس منتجًا سريع الاستهلاك، بل وثيقة يمكن أن يأتي وقتها بعد أشهر أو سنوات. فكلما اقترب الصحفي من هموم الناس أكثر، ولامس احتياجاتهم ومشكلاتهم، ابتعد عن الزخرفة اللفظية واقترب من جوهر المهنة.
في عام 2010 كتبت مادة صحفية عن محصول الطماطم في تهامة، وعن معاناة المزارعين بسبب غياب الحافظات والمصانع والبنية الاقتصادية القادرة على استيعاب هذا الإنتاج الزراعي. بقي التقرير أشهرًا دون اهتمام يُذكر، ثم فوجئت لاحقًا بأن القضية عادت إلى الواجهة وكأنها اكتشاف جديد، رغم أنها كانت مطروحة منذ البداية. عندها أدركت أكثر أن الصحافة ليست لحظة كتابة، بل أثر يمتد في الزمن، وقد يتأخر حضوره لكنه لا يختفي.
وفي يوم الصحافة اليمنية، من المهم أن نتذكر أن هذه المهنة لم تصل إلى ما هي عليه اليوم من فراغ. فقد شهدت الصحافة اليمنية، خلال الفترة الممتدة من عام 2004 وحتى عام 2014، واحدة من أكثر مراحلها حيوية وتأثيرًا. كانت الصحف اليومية والأسبوعية تتنافس على نشر التحقيقات والانفرادات الصحفية، وكانت المؤسسات الإعلامية تستقطب المواهب الشابة وتمنحها فرصة التعلم والعمل. لم تكن تلك المرحلة مثالية، ولم تكن خالية من الضغوط أو الأخطاء، لكنها كانت مرحلة شهدت حضورًا حقيقيًا للكلمة، ومساحة أوسع للرأي والنقد، وازدهارًا ملحوظًا للعمل الصحفي المهني.
في تلك السنوات كانت غرف الأخبار تعج بالحياة، وكانت الصحف تصل إلى مختلف المحافظات، وكان الصحفي يجوب القرى والمدن بحثًا عن قصة إنسانية أو قضية عامة تستحق أن تُروى. وكانت التحقيقات الصحفية تفتح ملفات الفساد، وتناقش قضايا التنمية والخدمات وحقوق المواطنين، وتسهم في تشكيل وعي عام أكثر نضجًا. لقد تخرجت من تلك المرحلة أجيال صحفية كاملة تعلمت في الميدان، وآمنت بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة.
كانت الصحافة اليمنية آنذاك أحد أهم فضاءات النقاش العام، ونافذة يطل منها المواطن على قضاياه وهمومه وتطلعاته. وبرغم التباينات السياسية والاختلافات الفكرية، ظل هناك هامش يسمح بوجود أكثر من رأي وأكثر من منبر وأكثر من صوت، وهو ما أسهم في إثراء الحياة العامة وصناعة وعي مجتمعي متنامٍ.
لكن انقلاب الحوثيين في سبتمبر 2014 لم يكن انقلابًا على الدولة ومؤسساتها فحسب، بل كان انقلابًا على الصحافة والحياة العامة والكلمة الحرة. فمنذ اللحظات الأولى بدأت عملية منظمة لإسكات الأصوات المستقلة، وإغلاق الصحف، ومصادرة المؤسسات الإعلامية، وملاحقة الصحفيين واختطافهم والزج بهم في السجون. وتحولت الحقيقة إلى هدف، وأصبح الصحفي مهددًا فقط لأنه يؤدي واجبه المهني.
لقد خسرت اليمن بعد الانقلاب عشرات الصحف والمؤسسات الإعلامية، وخسر الصحفيون مصادر رزقهم وأمنهم واستقرارهم. واضطر كثير منهم إلى النزوح أو الهجرة أو ترك المهنة قسرًا. وتحولت المهنة التي كانت تصنع الوعي إلى معركة يومية من أجل البقاء. ومع ذلك لم تستطع آلة القمع أن تطفئ صوت الحقيقة، لأن الصحفي الحقيقي لا يرتبط بمبنى صحيفة أو شاشة قناة، بل يرتبط برسالة يؤمن بها.
ولم تكتفِ الجماعة بإغلاق المؤسسات الإعلامية، بل سعت إلى تحويل الإعلام إلى أداة تعبئة وتوجيه، وإحلال الرواية الواحدة محل التنوع، والخطاب الأحادي محل النقاش الحر. لكن التجارب أثبتت أن الكلمة الحرة قد تُضيق عليها المساحات، لكنها لا تُهزم، وأن الصحفي الذي يؤمن برسالته يستطيع أن يجد طريقه إلى الناس مهما تعددت الحواجز.
ولذلك فإن الصحافة اليمنية، رغم كل ما تعرضت له، ما زالت حية. تغيرت الوسائل، وتفرقت غرف الأخبار، وتشرد الصحفيون بين المدن والمنافي، لكن الكلمة بقيت حاضرة. وما يزال الصحفيون اليمنيون يلاحقون الوقائع، ويوثقون الانتهاكات، ويكشفون الفساد، ويدافعون عن حق الناس في المعرفة. وربما لهذا السبب لم تنجح مشاريع التضليل والاستبداد في السيطرة الكاملة على وعي اليمنيين، لأن هناك دائمًا صحفيًا يكتب، أو مصورًا يوثق، أو مراسلًا يخاطر بحياته من أجل أن تصل الحقيقة.
التقارير التي تلامس هموم المواطنين ليست أخبارًا تنتهي بانتهاء يوم نشرها، بل مساهمة في بناء الوعي العام وتصحيح الاختلالات ووضع القضايا الحقيقية أمام المجتمع وصناع القرار. ولذلك على الصحفي ألا ييأس من العمل الصحفي، لأنها مهنة المتاعب فعلًا، لكنها تمنح صاحبها راحة نفسية عميقة حين يدرك أنه ساهم في إنصاف مظلوم أو كشف فساد أو إيصال صوت إنسان لا يملك منبرًا يتحدث من خلاله.
ومن يريد أن يكون أكثر وعيًا وإدراكًا وصبرًا، فعليه أن يفهم أن الصحافة ليست مهنة سطحية، بل تراكم خبرة واحتكاك بالميدان وصبر طويل على النتائج. فالسلطة الرابعة ليست وصفًا جميلًا فحسب، وإنما مسؤولية ثقيلة تضع على عاتق الصحفي واجب الصدق والدقة والأمانة.
الصحفي يتصدى لهجوم المتطفلين والفاسدين والعملاء، ليس بالشعارات، بل بالمعلومة والتحقيق والوثيقة. وقد يجوع الصحفي اليمني، وقد يأكل "خميرًا يابسًا" أحيانًا، وقد لا يجد ما يسد به رمق أسرته، لكنه في النهاية لا يبيع الوطن، ولا يفرط في قضيته الأساسية.
ولو عدنا إلى تاريخ الإمامة، التي استبدت بالأرض والإنسان لعشرات السنين، وحطمت أحلام اليمنيين بالجوع والخوف والإعدامات، سنجد أن الكلمة كانت أول من واجه ذلك الواقع. وكان الشعراء والكتاب والمثقفون يدفعون حياتهم ثمنًا لمواقفهم، لكنهم تركوا أثرًا بقي أطول من أعمارهم. فالذاكرة اليمنية لا تنسى أن الكلمة كانت أول من واجه القمع، وآخر ما بقي حين سقطت وسائل كثيرة للمواجهة.
واليوم، وبفضل الصحفيين والوعي، لم يتحقق كثير من أهداف المشاريع الساعية إلى تجهيل المجتمع ومصادرة إرادته، رغم السلاح والقمع والسجون. فقد كان الصحفيون في مقدمة من كشفوا الانتهاكات وفضحوا الأكاذيب وواجهوا محاولات تزييف الوعي. لأن الحقيقة حين تُكتب بضمير حي تتحول إلى مقاومة يصعب إسكاتها.
تعرض الكثير من الصحفيين، وأنا واحد منهم، للمضايقات والإهانة والتهديد، لكن الصمود لم يعرف الانكسار. قُتل زملاء، وشُرد آخرون، وما يزال بعضهم خلف القضبان، واضطر آخرون إلى ترك المهنة قسرًا. لكن ما لم يُكسر هو إصرار الصحفي اليمني على أن تبقى الحقيقة حية مهما تغير الواقع أو اشتدت الضغوط.
وفي يوم الصحافة اليمنية، فإن أفضل تكريم للصحفي ليس في الخطب والاحتفالات، بل في حماية حريته وكرامته وحقه في الوصول إلى المعلومة، وفي توفير بيئة تضمن له ممارسة مهنته دون خوف أو تهديد أو ابتزاز.
وأخيرًا، نصيحتي لكل صحفي شاب: تمسك بالحقيقة، ولا تخذل الضعفاء، ولا تجعل الضغوط أو الإغراءات تغير وجهتك. قد تتأخر نتائج عملك، وقد لا يلتفت إليه أحد اليوم، لكن الكلمة الصادقة تملك قدرة عجيبة على البقاء. وربما يأتي يوم تجد فيه أن ما كتبته قبل سنوات أصبح جزءًا من ذاكرة الناس، أو سببًا في تغيير واقع كان يحتاج فقط إلى من يكتبه بصدق.
وفي يوم الصحافة اليمنية، أتذكر زملاء غادروا الحياة وأقلامهم ما تزال تنبض بالحقيقة، وآخرين ما زالوا خلف القضبان، أو في المنافي، أو يواجهون قسوة الحياة بصمت وكبرياء. أتذكر الذين دفعوا من أعمارهم وأمنهم وأرزاقهم ثمنًا للكلمة الحرة، لأنهم آمنوا أن الوطن يستحق أن يُقال فيه الحق مهما كانت العواقب.
وأتذكر أن اليمن لم يكن يومًا بحاجة إلى المصفقين بقدر حاجته إلى الشهود الأمناء، وإلى أولئك الذين يكتبون للناس لا للسلطة، وللوطن لا للمصالح، وللحقيقة لا للأهواء. ولهذا سيظل الصحفي الحقيقي منحازًا للإنسان، ومدافعًا عن حقه في المعرفة، وحارسًا لذاكرة وطنه في زمن تختلط فيه الوقائع بالدعاية.
قد تُحاصر الكلمة، وقد تُشوَّه، وقد يتأخر وصولها، لكن التاريخ أثبت دائمًا أن الحقيقة تملك قدرة عجيبة على البقاء. أما الضجيج فيخفت، والدعاية تتلاشى، والمصالح تتبدل، فيما تبقى الكلمة الصادقة شاهدة على عصرها، وحاضرة في وجدان الناس، تؤدي رسالتها ولو بعد حين.
وفي النهاية، لا يبقى للصحفي سوى ضميره، ولا يبقى للوطن سوى أبنائه الصادقين. ولذلك سيظل الصحفي، ما دام وفيًا للحقيقة، جزءًا من ذاكرة اليمن الحية، وصوتًا لمن لا صوت لهم، وحارسًا لأحلام شعب يتطلع إلى الدولة والحرية والكرامة.
فالصحفي هو الوطن حين يكتب بصدق.