صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
يبدو أن اليمن ما زال قادراً على إدهاش العالم، ليس بالاكتشافات العلمية أو المشاريع التنموية، بل بإنتاج نظريات اقتصادية لا تخطر على بال أحد. فبينما تبحث دول العالم عن وسائل لرفع الدخل وتحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل المدفوعة، خرج القائم بأعمال رئيس الوزراء في حكومة الحوثيين محمد مفتاح باقتراح يمكن اعتباره فتحاً اقتصادياً غير مسبوق: إذا لم تجد عملاً يوفر لك دخلاً، فابحث عن عمل بلا أجر!
بهذه البساطة المدهشة تتحول مشكلة البطالة إلى مجرد سوء فهم. فالإنسان الجائع، وفق هذه النظرية، لا يحتاج إلى راتب، بل يحتاج فقط إلى أن يبقى مشغولاً. أما السؤال القديم: كيف سيطعم أسرته؟ وكيف سيدفع إيجار منزله؟ وكيف يشتري الدواء؟ فهذه تفاصيل صغيرة لا يبدو أنها تشغل بال أصحاب هذه الطروحات. والمفارقة المؤلمة أن هذه التصريحات تأتي في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العالم. ملايين المواطنين فقدوا مصادر دخلهم، ورواتب مئات الآلاف من الموظفين انقطعت منذ سنوات، والأسعار ترتفع بوتيرة لا ترحم، بينما تتضاعف الجبايات والرسوم والإتاوات على الناس بصورة مستمرة. ولذالك إن العمل ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة للعيش الكريم. فالإنسان لا يذهب إلى عمله لكي يستهلك وقته فقط، وإنما ليحصل على أجر يمكنه من إطعام أسرته وحفظ كرامته. أما تحويل العمل إلى نشاط مجاني يُطلب من الفقراء ممارسته بينما تُجبى الأموال من الأسواق والتجار والمواطنين، فذلك لا يمثل حلاً اقتصادياً، بل اعترافاً ضمنياً بفشل حكومه الحوثي في إدارة الاقتصاد.
الأخطر من التصريح نفسه هو ما يحمله من استخفاف بمعاناة الناس. فالجائع لا يبحث عن خطابات تنظيرية، بل عن رغيف خبز. والعاطل عن العمل لا يحتاج إلى من يقنعه بالعمل مجاناً، بل إلى فرصة حقيقية تكافئ جهده وتحفظ إنسانيته.
لقد عرف التاريخ أنظمة فرضت الضرائب، وأخرى فرضت الأعمال الشاقة، لكن القليل منها تجرأ على مطالبة الناس بالعمل دون أجر في الوقت الذي تعجز فيه عن توفير أبسط مقومات الحياة. وكأن المطلوب من المواطن أن يتحمل الجوع، ويتحمل الفقر، ويتحمل انقطاع الخدمات، ثم يقدم جهده مجاناً أيضاً.
لذالك إن المشكلة ليست في المواطنين الذين يبحثون عن لقمة العيش، بل في السياسات التي أوصلتهم إلى هذه المرحلة. فالأمم تنهض بالإنتاج المقترن بالعدالة، والعمل المقترن بالأجر، والسلطة المقترنة بالمسؤولية.
ويبقى السؤال الذي نوجهه للحوثي ولم تجب عنه هذه النظرية العجيبة: إذا كان المواطن سيعمل مجاناً، فمن سيدفع ثمن الخبز؟