صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
في السياسة، ليست كل الأحداث متساوية في معناها. أحيانًا تكون لحظة واحدة كافية لتكشف حجم الخلل الذي تراكم عبر سنوات.
بينما كانت طائرة إيرانية تشق طريقها في الأجواء اليمنية، لم يكن الأمر مجرد رحلة جوية، بل رسالة سياسية تقول إن هناك من يتعامل مع اليمن باعتباره ساحة مفتوحة، لا حدود فيها تُصان ولا سيادة تُحترم. وفي الوقت ذاته، كان وفد الحوثي يتجه إلى طهران، حاضرًا في مراسم التشييع، ليؤكد مرة أخرى أن خيوط العلاقة لم تكن يومًا مجرد تعاطف سياسي، بل ارتباطًا يتجاوز حدود المصالح إلى مساحة الولاء.
وفي الجهة المقابلة، لم يكن المشهد صخبًا ولا موقفًا بحجم الحدث، بل اجتماعًا جديدًا لدراسة الانتهاك، وكأن المشكلة ليست في اختراق السيادة، وإنما في كيفية توصيفها وصياغة بيان بشأنها.
المفارقة أن الزمن في اليمن يسير بسرعتين؛ سرعة لدى من يفرض الوقائع على الأرض، وسرعة أخرى لدى من يكتفي بتسجيلها في محاضر الاجتماعات. الأول يصنع الحدث، والثاني يناقش تفاصيله بعد أن يصبح أمرًا واقعًا.
إين السيادة، فالسيادة ليست أجتماع وكلمة تُكتب في البيانات، ولا عنوانًا يُردد في الخطب. السيادة موقف، وهيبة، وقدرة على حماية الأرض والسماء والقرار. أما عندما تصبح السماء مستباحة، ويصبح اختراقها حدثًا عابر، فإن الخطر لا يكمن في الطائرة وحدها، بل في اعتياد الناس على فكرة أن الانتهاك أصبح أمرًا طبيعيًا.
أما الحوثي، فلم يعد يخفي بوصلته. كل محطة سياسية تؤكد أن وجهته معروفة، وأن حضوره في المناسبات الإيرانية ليس بروتوكولًا دبلوماسيًا، بل إعلانًا متكررًا عن طبيعة المشروع الذي ينتمي إليه. وكلما حاول إنكار ذلك، جاءت الوقائع لتتحدث بصوت أعلى من كل خطاب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيظل اليمن ساحةً يتصرف فيها الآخرون، بينما يكتفي أصحاب القضية بإدارة ردود الأفعال؟
فالأوطان لا يحميها طول الاجتماعات، ولا كثرة البيانات، بل تحميها إرادة تعرف متى تقول "لا"، وتملك القدرة على أن تجعل هذه الكلمة حقيقة لا مجرد أمنية.
لقد علّمنا التاريخ أن الدول لا تُنتزع منها السيادة بضربة واحدة، بل تُسلب منها تدريجيًا، كلما تأخر الرد، وكلما اعتاد الناس على رؤية الانتهاكات دون أن يروا أمامها موقفًا يوازيها. واليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من توصيف ما يحدث، فالشعب يرى بعينيه، ويفهم أكثر مما يُقال له. ما يحتاجه هو أن يشعر بأن دولته ما زالت قادرة على أن تكون صاحبة القرار، لا مجرد شاهد على ما يجري فوق أرضها وفي سمائها.
ففي لحظات التحول الكبرى، لا يتذكر التاريخ من اجتمع ليدرس الانتهاك، بل يتذكر من وقف ليمنعه.