اخبار وتقارير

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 02:35 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

تابعتُ باهتمام جميع التصريحات التي أدلى بها أعضاء وفد جماعة الحوثي خلال مشاركتهم في مراسم تشييع علي خامنئي في طهران، ولاحظت أن الخطاب كان متطابقًا إلى حدٍ لافت، وكأنه صيغ في غرفة واحدة ثم وُزِّع على الجميع مع اختلاف الأصوات فقط. فالمفردات نفسها تكررت على ألسنة كل المتحدثين: "كسر الحصار"، و"الصمود"، و"الانتصار"، و"أمريكا"، و"السعودية"، و"إسرائيل"، إلى جانب رسائل واضحة تحمل التهديد والوعيد، وتؤكد أن الجماعة ما تزال تتعامل مع أي مناسبة خارجية بوصفها منصة لإعادة إنتاج خطاب الحرب، لا للحديث عن السلام.
في مشهدٍ يختلط فيه الخطاب السياسي بالاستعراض الإعلامي، ظهر وفد من قيادات جماعة الحوثي في طهران، حاملاً معه سردية جاهزة تتكرر في كل محطة: "كسر الحصار"، و"الصمود"، و"الانتصار على أمريكا والسعودية وإسرائيل"، وكأن العالم كله لا يتحرك إلا بإشارة من هذه الرحلة الجوية.
اللواء جلال الرويشان قدّم المشهد باعتباره وفداً يمثل الدولة والقبيلة والحكومة والثورة معاً، ليؤكد أن خامنئي لم يكن قائداً إيرانياً فقط بل "قائداً للأمة"، وأن فقده ليس خسارة لطهران بل للإنسانية جمعاء، ثم ينتقل مباشرة إلى الرسالة الأهم في خطابه: اليمن "لن يقبل بحالة اللا حرب واللا سلم"، وأن البديل جاهز دائماً وهو التصعيد ورفع السقف حتى "فك الحصار بأي طريقة".
أما ضيف الله الشامي فحوّل الرحلة إلى خطاب تعبوي طويل ضد "تحالف الشر الأمريكي السعودي الإسرائيلي"، متحدثاً عن اليمن بوصفه مركز التاريخ والحضارة والأنصار والأوس والخزرج، وكأن الرحلة إلى طهران تحولت إلى إعادة تعريف للهوية اليمنية في مواجهة العالم، مع تأكيد أن ما جرى ليس مجرد سفر بل "منعطف تاريخي" لكسر الحصار وإعادة السيادة بالقوة إن لزم الأمر.
وفي السياق ذاته، ظهر حمود عباد ليقدّم الرواية من زاوية "الإنجاز اللوجستي"، حيث تم تصوير الرحلة باعتبارها إنجازاً إنسانياً أيضاً، عبر طائرة قادمة من إيران حملت مرضى وجرحى ووفداً سياسياً كبيراً، مع خطاب يربط بين المشاركة في التشييع وبين "بداية انفراجة" ومرحلة جديدة لكسر الحصار، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام خيار "القوة إذا فشلت السياسة"، وهو الخط الذي يتكرر في أغلب التصريحات.
عبد الرحمن الأهنومي ذهب أبعد في التوصيف، حين اعتبر أن مجرد إقلاع الطائرة من صنعاء هو "انتصار على إرادة التحالف"، وأن تهديدات الطيران الحربي لم تنجح في منع الرحلة، بل تحولت إلى دليل على أن التوازنات انقلبت، وأن أي مساس بالوفد سيقابل برد واسع على مستوى المطارات والمقدرات، في خطاب يرفع مستوى التهديد بالتوازي مع رفع مستوى الرمزية.
أما عبد الله هاشم السياني فقدم المشهد من زاوية إنسانية مشحونة سياسياً، متحدثاً عن المرضى والعجائز الذين حُرموا السفر سنوات طويلة، ليصل في النهاية إلى طهران ضمن ما وصفه بكسر الحصار، مع ربط ذلك بالوفاء لـ"قائد مقاومة" واعتباره رمزاً عالمياً في مواجهة "الطاغوت الأمريكي الإسرائيلي"، في لغة تمزج بين المأساة الإنسانية والتوظيف السياسي المكثف.
مراد شلي بدوره ركز على الجانب الإعلامي للرحلة باعتبارها "تحولاً تاريخياً" وخطوة أولى لكسر الحصار المباشر دون تفتيش أو توقف، بينما قدّمها كمال شرف كمرحلة استعادة سيادة كاملة، مؤكداً أن "القرار السعودي انتهى في المناطق الحرة"، وأن الرحلات ستتحول إلى نافذة مفتوحة لكسر العزلة وإعادة تشكيل الواقع بالقوة والإصرار.
طارق السفياني من جانبه قدّم خطاباً أقرب إلى الاستعراض الإعلامي، متحدثاً عن وفد متنوع من "علماء وسياسيين وفنانين"، ومحاولاً تثبيت صورة أن المشاركة في التشييع كانت حدثاً دولياً واسعاً، مع إعادة إنتاج رواية "كسر الحصار الجوي" ورفض أي وصاية خارجية، بينما ظل أحمد الإمام يربط بين الرحلة وبين "مرحلة جديدة" أسس لها عبد الملك الحوثي، مع تأكيد أن ما جرى يمثل تعزيزاً لمحور المقاومة وتماسكه في مواجهة أمريكا وإسرائيل.
وفي الخلفية، جاء حضور أسماء مثل حمود عباد، ومحمد البخيتي، وضيف الله الشامي، وعبد الرحمن الأهنومي، وعبد الله هاشم السياني، ومراد شلي، وطارق السفياني، وكمال شرف، وأحمد الإمام، ليشكل لوحة خطابية واحدة، تتنوع فيها الأدوار لكن تتحد فيها المفردات: حصار، وكسر، وسيادة، وأمريكا، والسعودية، وإسرائيل، مع تصعيد دائم في اللغة السياسية والإعلامية.
وفي النهاية، يظهر هذا المشهد كله كخطاب واحد متعدد الأصوات، لكنه يدور في فلك سردية واحدة: تحويل أي حدث، حتى لو كان مراسم عزاء، إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب المواجهة ورفع سقف التصعيد السياسي والإعلامي، مع تقديم كل خطوة باعتبارها "نقطة تحول تاريخية"، في وقت يبقى فيه الواقع على الأرض أكثر تعقيداً من الشعارات، وأبعد بكثير من حدود الطائرة التي أقلّت الوفد من صنعاء إلى طهران.