اخبار وتقارير

الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - الساعة 12:00 ص بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - احمد حوذان

في كل مرحلة عصيبة مرّت بها اليمن، كانت القبيلة حاضرة في الصفوف الأولى؛ لا لتكون بديلاً عن الدولة، بل سنداً لها، وحصناً يحمي الجمهورية عندما تشتد الأزمات. واليوم، ومع النكف القبلي الواسع الذي تشهده منطقة الريان بمحافظة الجوف، تعود القبيلة اليمنية لتؤكد مجدداً أنها ما تزال أحد أهم ركائز المجتمع، وحارساً للقيم والأعراف، والمدافع عن الأرض والعرض حين تتعرض للانتهاك.

فالقبيلة اليمنية عبر التاريخ لم تكن مشروع سلطة، وإنما مشروع إسناد للدولة. شاركت في الثورات، ودافعت عن الجمهورية، وأسهمت في كسر الحصار عن صنعاء، ووقفت في مواجهة كل المشاريع التي سعت إلى تقويض الدولة اليمنية. وفي كل منعطف تاريخي كانت القبيلة تمد الدولة برجالها وسلاحها وإمكاناتها، لكنها ظلت تدرك أن دورها هو المساندة لا الحلول محل مؤسسات الدولة.

ومع بروز المشروع الحوثي ذي الطابع السلالي، أصبح الصراع أكثر وضوحاً. فالقبيلة تقوم على المساواة والعدل والأعراف التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامة، بينما يقوم المشروع الحوثي على التمييز الطبقي والاصطفاء السلالي، وهو ما جعل المواجهة بين الطرفين مواجهة قيم وهوية قبل أن تكون مواجهة سلاح.

ولذلك يدرك الحوثيون أن القبيلة تمثل أكبر عقبة أمام مشروعهم؛ فهي تمتلك حضوراً اجتماعياً واسعاً، وسلاحاً، وقدرة على الحشد، وإرثاً وطنياً رافضاً للخضوع. ولهذا لم يكن استهدافهم للقبائل في دماج، وحجور، وقيفة، وآل عواض وغيرها أمراً عابراً، بل سياسة ممنهجة لإضعاف أي قوة مجتمعية قادرة على الوقوف في وجه مشروعهم.

ولعل أكثر ما تعرض للتشويه خلال السنوات الماضية هو صورة القبيلة اليمنية نفسها، إذ سعت بعض الخطابات المحلية والدولية إلى تصويرها باعتبارها عائقاً أمام الدولة وحقوق الإنسان، بينما أثبتت سنوات الحرب العكس تماماً. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة برزت القبيلة كإطار مجتمعي حافظ على الأمن والتماسك الاجتماعي، وحمى الحقوق، وفي مقدمتها حقوق المرأة.

فالمرأة في البنية القبلية اليمنية ليست طرفاً ضعيفاً، بل تحظى بمكانة عرفية رفيعة جعلتها رمزاً للشرف والكرامة والهوية الاجتماعية. وقد أرست الأعراف القبلية منظومة حماية صارمة، شددت العقوبات والغرامات بحق كل من يعتدي عليها، حتى أصبح الاعتداء على المرأة من أكبر العيوب القبلية التي تستنكرها القبيلة بأكملها، وتتعامل معها بوصفها اعتداءً على شرف الجماعة كلها، لا على فرد بعينه.

وقد كشفت الحرب هذه الحقيقة بوضوح؛ ففي المحافظات ذات الحضور القبلي القوي، وفي مقدمتها مأرب والجوف، برزت المرأة في العمل الإغاثي والاجتماعي والوساطة وإصلاح ذات البين، مستندة إلى بيئة وفرتها الأعراف القبلية التي ضمنت لها الحماية والاحترام. وفي المقابل، شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين انتهاكات واسعة بحق النساء، من اختطاف وإخفاء قسري وقتل وتعذيب، في مفارقة تعكس الفارق بين مجتمع تحكمه منظومة عرفية تحمي المرأة، وآخر تفرض فيه المليشيا سلطتها بقوة السلاح.

كما لم يقتصر دور المرأة في المجتمع القبلي على الحماية، بل كانت عبر التاريخ وسيطاً لإيقاف النزاعات، ورمزاً للصلح، وجسراً للتواصل بين الخصوم، وأسهمت خلال سنوات الحرب في تعزيز التماسك الاجتماعي، ورعاية النازحين، وإصلاح الخلافات، بما يؤكد أن القبيلة اليمنية ليست نقيضاً للدولة، بل حاضنة لقيم الاستقرار والتكافل.

واليوم يتجدد هذا المشهد في الريان بمحافظة الجوف، حيث يعكس النكف القبلي الواسع تمسك القبائل بدورها التاريخي في نصرة المظلوم، والدفاع عن الحقوق، ورفض انتهاك الحرمات. فالقبيلة اليمنية ما زالت تعتبر حماية المرأة، وصون الكرامة، والدفاع عن الأرض والحدود، واجباً لا يقبل المساومة، وهي قيم راسخة سبقت كل المشاريع الطارئة وستبقى بعدها.

لكن، ورغم هذا الدور الكبير، فإن القبيلة لا ينبغي أن تُترك وحدها في الميدان. فالمعركة مع المشروع الحوثي هي معركة دولة قبل أن تكون معركة قبائل، والدولة هي المعنية بقيادة المواجهة وإنفاذ القانون، فيما يبقى دور القبيلة داعماً ومسانداً، لا بديلاً عن المؤسسات الرسمية.

لقد أثبتت التجارب أن القبيلة كلما توحدت خلف الدولة انتصرت الجمهورية، وكلما تُركت تواجه وحدها دفعت ثمناً باهظاً. ومن هنا، فإن ما يحدث اليوم في الجوف يبعث برسالة واضحة مفادها أن القبيلة اليمنية لا تزال وفية لدورها الوطني، وأنها ستظل الرديف الصادق للدولة، والحافظة للحدود المنتهكة، والمدافعة عن شرف كل امرأة تُستباح، وعن كل حق يُغتصب، حتى تستعيد اليمن دولتها، ويعلو فيها صوت القانون على صوت السلاح.