الأربعاء - 15 يوليو 2026 - الساعة 05:40 م بتوقيت اليمن ،،،
صدى الساحل - تحليل خاص
في مشهد يمني يعجّ بالدمار والفوضى، وفي بحر أحمر يموج بالتهديدات والقرصنة، يبقى سؤال واحد هو الأكثر إلحاحاً والأكثر حسماً: متى يتجرأ المجتمع الدولي على فرض نزع سلاح ميليشيا الحوثي الإرهابية؟ فطالما ظلت هذه الميليشيا المدعومة من إيران تحتفظ بترسانتها الهائلة، فإن اليمن سيبقى رهينة للحرب، والممرات المائية الدولية ستبقى عرضة للابتزاز والتهديد.
انقلاب دامٍ ومشروع إيراني
منذ انقلابها على التوافق الوطني في 2014، والميليشيات الحوثية تمارس أسلوباً إجرامياً في الحكم، صادرت مؤسسات الدولة، وأغرقت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وحولت اليمن إلى منصة تهديد للأمن الإقليمي والدولي. لم تكتفِ الجماعة بتدمير الداخل اليمني، بل جعلت من اليمن أداةً في المشروع الإيراني التوسعي، فاستوردت الأسلحة والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وحولت البلاد إلى قاعدة عسكرية متقدمة لتهديد جيرانها والممرات الملاحية الدولية.
وتؤكد التقارير الأممية أن الحوثيين تلقوا أسلحة وتدريباً ودعماً فنياً ومالياً من إيران، مما جعلهم يشكلون تهديداً وجودياً ليس لليمن فحسب، بل للمنطقة بأسرها.
تهديد ممنهج للملاحة الدولية
ما يمارسه الحوثيون في البحر الأحمر ليس مجرد أعمال قرصنة عابرة، بل هو حرب ممنهجة ضد حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة. فمنذ نوفمبر 2023، شنّ الحوثيون هجمات على حركة الملاحة في البحر الأحمر، مستهدفين السفن التجارية والناقلات، في محاولة لابتزاز المجتمع الدولي وفرض شروطهم الإرهابية.
والأخطر أن خطورة التهديد الحوثي اليوم تضاعفت مقارنة بالسابق. فبعد إغلاق مضيق هرمز، تحوّلت غالبية صادرات النفط الخليجية نحو البحر الأحمر، حيث حولت السعودية وحدها أكثر من 70% من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع على هذا الممر الحيوي. وهذا يعني أن أي تعطيل حوثي للملاحة في البحر الأحمر سيُحدث صدمة كبرى في أسواق الطاقة العالمية.
وتؤكد الولايات المتحدة أن الحوثيين ما زالوا قادرين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يفسّر استمرار الضربات العسكرية الأميركية - البريطانية ضد أهدافهم، حيث تم تدمير عشرات الأهداف من بينها منشآت تخزين الأسلحة وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي.
انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان
لا يقتصر إجرام الحوثيين على تهديد الممرات الدولية، بل يمتد إلى أبشع انتهاكات حقوق الإنسان بحق الشعب اليمني. فقد وثق تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2026 استمرار الحوثيين في الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب بحق عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجتمع المدني.
كما كشفت تقارير حقوقية عن تصاعد الانتهاكات التي تمارسها الميليشيا بحق مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية، في محاولة ممنهجة لإخضاع المجتمع اليمني وبث الرعب في نفوس المواطنين.
لا سلام دون نزع سلاح الحوثي
لقد بات واضحاً للجميع أن أي مقاربة للسلام تتجاهل نزع سلاح الميليشيات الحوثية واستعادة مؤسسات الدولة، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، وتعميق معاناة المدنيين، وفتح المجال لمزيد من الفوضى.
ويؤكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه بمجرد وقف إطلاق النار، بل من خلال دعم وبناء مؤسسات الدولة التي تحتكر استخدام القوة وتمارس السيادة على كامل التراب الوطني. فالأمن في البحر الأحمر يبدأ من البرّ، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها يشكل استثماراً مباشراً في الأمن الأوروبي والعالمي.
ومجلس الأمن الدولي، الذي تبنّى القرار 2216 بفرض حظر سلاح على الحوثيين, ومدد آلية الإبلاغ عن هجماتهم البحرية بموجب القرار 2812 (2026)، مطالب اليوم باتخاذ خطوات أكثر حزماً لفرض هذا الحظر وإجبار الميليشيا على تسليم سلاحها.
ومجمل القول أن استمرار المجتمع الدولي في التعامل مع الحوثيين كطرف سياسي يمكن التفاوض معه، بينما هم يحتفظون بسلاحهم ويهددون الممرات الدولية، هو وهم خطير. فالحوثيون يمارسون سياسة الابتزاز بالبندقية، ولا يمكن الوثوق بتعهداتهم طالما ظلّت أيديهم على الزناد.
نزع سلاح الحوثي ليس خياراً، بل هو ضرورة حتمية لاستقرار اليمن، وأمن الممرات الدولية، ومستقبل المنطقة بأسرها. وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته، وأن ينتقل من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة إنهائها، ومن احتواء التهديد إلى اقتلاع جذوره. فكل يوم يمرّ فيه الحوثيون مسلحين هو يوم إضافي من المعاناة لليمنيين، ويوم إضافي من التهديد للأمن العالمي.