صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي
حين تختار الدول السلام خياراً استراتيجياً، فإنها تفعل ذلك انطلاقاً من ثقة بقوتها، لا من منطلق ضعف أو تراجع. غير أن مليشيات الحوثي أخطأت في قراءة الموقف السعودي، ففسرت الحكمة على أنها وهن، وضبط النفس على أنه تراجع، والحرص على حقن الدماء على أنه فرصة لفرض الإملاءات وابتزاز دولة جعلت أمن المنطقة واستقرارها ركيزة ثابتة في سياستها.
على مدى سنوات، قادت المملكة العربية السعودية جهوداً سياسية ودبلوماسية متواصلة لإطفاء نيران الحرب، ورعت المبادرات، ودعمت مسارات الحوار، وفتحت أبواب التسوية أمام جميع الأطراف، إيماناً منها بأن السلام هو الانتصار الحقيقي، وأن اليمن لا يحتمل مزيداً من الدمار والانقسام واستنزاف مقدراته.
لكن مليشيا الحوثي الانقلابية تعاملت مع تلك المبادرات بمنطق مختلف فلم ترَ فيها فرصة لإنقاذ اليمن، بل مساحة للمناورة وكسب الوقت. وبينما كانت الجهود الإقليمية والدولية تتحرك نحو التهدئة، كانت الجماعة تعزز قدراتها العسكرية، وترفع سقف تهديداتها، وتواصل رهن قرارها السياسي والعسكري بأجندة المشروع الإيراني، في تجاهل واضح لمصالح اليمن واليمنيين.
واليوم، يأتي البيان الحوثي، بما حمله من تهديدات للمملكة العربية السعودية، وحديث عن فرض حصار بحري وإغلاق مضيق باب المندب، ليكشف بوضوح أن الجماعة اختارت التصعيد بدلاً من التسوية، والمواجهة بدلاً من الحوار. وهو تصعيد لا يستهدف المملكة وحدها، بل يمتد ليطال أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، واستقرار الاقتصاد العالمي.
فمضيق باب المندب ليس مجرد ممر مائي يمني، بل شريان استراتيجي تعبره نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية. وأي تهديد لأمنه لا يمثل تحدياً لدولة بعينها، بل اعتداءً على مصالح المجتمع الدولي بأسره، واستفزازاً لإرادة دول لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لزعزعة أمن أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
لقد أثبتت التجربة أن السلام لا يصنعه طرف واحد، بل يحتاج إلى شريك يؤمن به ويلتزم باستحقاقاته. أما تحويل مبادرات السلام إلى أدوات للمراوغة وإعادة التموضع، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة اليمنيين. كما أن الرهان على القوة والسلاح، مع إغلاق أبواب السياسة، لم يكن يوماً طريقاً إلى الاستقرار، بل وصفة دائمة للعزلة والخسائر.
وخلال السنوات الماضية، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجاً في تغليب الحلول السياسية، ومنحت السلام كل الفرص الممكنة، انطلاقاً من مسؤوليتها الإقليمية وحرصها على أمن اليمن والمنطقة. وفي المقابل، اختارت مليشيا الحوثي إهدار تلك الفرص، لتتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أي تصعيد أو تداعيات تنجم عن استمرار هذا النهج العدائي.
إن الرسالة التي يبعث بها التصعيد الحوثي اليوم تتجاوز حدود اليمن، فهي تعكس إصرار الجماعة على الابتعاد عن مسار التسوية والانخراط في مواجهة أوسع ستكون لها أثمان سياسية وأمنية واقتصادية باهظة. والتاريخ يؤكد أن سوء تقدير مواقف الدول، والخلط بين الحكمة والضعف، كثيراً ما يقود إلى نتائج لا يمكن احتواؤها بعد وقوعها.
ويبقى السلام الخيار الأكثر حكمة والأكثر جدوى لليمن والمنطقة، لكنه لا يمكن أن يتم مع مليشيات لا تؤمن بالسلام، ولا يمكن أن يقوم على التهديد، ولا أن ينجح في ظل استهداف الممرات البحرية وتهديد أمن الدول. فالسلام مسؤولية مشتركة، واحترام القانون الدولي وأمن الملاحة الدولية ليسا خياراً سياسياً، بل ضرورة لحماية استقرار المنطقة وصون مصالح العالم.
.