اخبار وتقارير

الجمعة - 24 يوليو 2026 - الساعة 08:59 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - الحديدة - متابعة - المنتصف

لم تعد الحديدة اليوم تلك المدينة التي يغفو فيها صيادوها على إيقاع أمواج البحر، وتتعالى أصوات التكافل في أزقتها التاريخية. لقد تحولت "عروس البحر الأحمر" إلى معسكر مغلق، ومسرحًا لأبشع صنوف التنكيل الممنهج. إن ما يحدث في الحديدة يتجاوز حدود الجريمة العادية؛ إنه استيطان جديد تقوده مليشيا الحوثي، حيث تحولت الأرض—بما فيها من مزارع ومساحات شاسعة—إلى غنيمة حرب توزع على قيادات المليشيا، بينما تحولت أرواح أبنائها إلى أرقام في قوائم التصفية.
لقد أصبحت الحديدة مختبرًا لعمليات النهب المشرعن والاغتيالات الغامضة، حيث تُنتزع الحقوق من أصحابها تحت فوهات البنادق، ويُقتل كل من يجرؤ على المطالبة برغيف خبزه أو شبر من أرضه، في ظل صمت مطبق يفرضه "قانون القوة" الذي لا يعترف إلا بمصالح القتلة والناهبين.

شهادات من مسرح الجريمة والنهب
الحديدة اليوم ليست ملكًا لأهلها
"يحيى فتيني" (مزارع من أرياف الحديدة) قال:"لقد تحولت مزارعنا التي ورثناها عن أجدادنا إلى ثكنات عسكرية وملكيات خاصة لقيادات حوثية جاءت من خارج المحافظة. يأتي 'المشرف' ومعه مجموعة من المسلحين، يبرزون وثائق مزورة، ثم يمهلوننا ساعات للرحيل. وإذا اعترض أحد، فالمصير هو السجن أو الاغتيال بتهمة 'العمالة'. لقد فقدت مزرعتي التي كانت مصدر رزق عائلتي الوحيد، وحين طالبت بحقي عبر المحاكم التي يسيطرون عليها، وجدت نفسي متهمًا بالتواطؤ مع العدوان. هؤلاء القتلة لا يكتفون بنهب الأرض، بل ينهبون أرواحنا؛ فهم يقتلون المزارعين أمام أطفالهم لترهيب البقية. الحديدة اليوم ليست ملكًا لأهلها، بل هي عزبة لمليشيا لا تعرف الرحمة، ولا تحترم حقًا ولا قانونًا، والجميع هنا يعيش حالة من الذل القسري."

القتلة يتجولون بحرية تامة
"أحمد آدم" (شاهد عيان على واقعة اغتيال) قال:"لا تمر ليلة في الحديدة دون أن نسمع صوت رصاص غادر. رأيت بأم عيني قبل أسابيع أحد الشباب—كان معروفًا بمعارضته لنهب الأراضي—يتم اغتياله في شارع رئيسي وسط المدينة من قبل مسلحين على متن سيارة مظللة. لم تكن هناك أي محاولة للقبض على الجناة؛ بل على العكس، وصلت أطقم المليشيا لتغلق مسرح الجريمة وتمنع الناس من الاقتراب، ثم خرج الخبر الرسمي في اليوم التالي يتحدث عن 'خلافات شخصية'. نحن نعرف الحقيقة: كل من يعترض على مصادرة أملاك الناس أو يرفض دفع الإتاوات يتم التخلص منه بهذه الطريقة الدموية. القتلة يتجولون بحرية تامة، محميون بقرارات مشرفين يتقاسمون معهم الأراضي المنهوبة. إنه قانون الغابة في أبهى صور القمع."

يستهدفون العقول والنشطاء والمؤثرين اجتماعيًا
"سارة وحيد" (ناشطة حقوقية من الحديدة) قالت:"ما يحدث في الحديدة هو جريمة تطهير طبقي واقتصادي. المليشيا تهدف إلى إفقار سكان الحديدة الأصليين من خلال سلبهم أراضي الساحل الخصبة، وتشريدهم من بيوتهم في المناطق الاستراتيجية لخدمة مشاريعهم العسكرية. الاغتيالات هي الأداة التي تستخدم لإسكات أي صوت يجرؤ على الفضح. لقد وثقنا عشرات الحالات لشباب تم اختطافهم ثم العثور عليهم جثثًا هامدة، أو تصفيتهم في ظروف غامضة. إنهم يستهدفون العقول والنشطاء والمؤثرين اجتماعيًا لضمان خلو الساحة من أي مقاومة. نحن لا نواجه مجرد لصوص، بل نواجه منظومة متكاملة من الإجرام، تستخدم السلطة والقضاء والنيابة كغطاء لجرائمها، وتجعل من مدينة الحديدة سجنًا كبيرًا مغلقًا على آلام الناس."

نعيش في حالة من الرعب النفسي التي لا توصف
"إبراهيم عبدالله" (صياد سابق) قال:"البحر الذي كان يطعمنا أصبح محظورًا علينا، والأرض التي كانت تزرع خيراتنا أصبحت ملكًا للمشرفين. من يرفض العمل كأجير في أرضه المنهوبة، أو يرفض دفع إتاوات من صيده، يتعرض للتهديد بالقتل. الاغتيالات في أوساط الصيادين والمزارعين أصبحت وسيلة لفرض السيطرة المطلقة. لقد قتلوا صديقي لأنه رفض أن يسلم قاربه لاستخدامه في أنشطتهم المشبوهة، وقُيدت القضية كحادث عرضي في البحر. كيف يعيش الإنسان في مكان لا يملك فيه حق الصمت أو حق الاعتراض؟ الحديدة تعيش في ظلام دامس، حيث يغتال القاتل ضحيته ثم يقدم واجب العزاء لأهلها ليغطي على جريمته. نحن نعيش في حالة من الرعب النفسي التي لا توصف، ولا نعرف من سيكون التالي."

قضاء الحديدة في خدمة المليشيا
"حكيم عبده" (محامٍ حقوقي) يقول:"لقد شلت المليشيا جهاز القضاء تمامًا في الحديدة، وحولته إلى أداة لشرعنة نهب الأراضي. عندما تصل قضايا السطو أو القتل إلى المحاكم، نجد أن القضاة—الذين يعيشون تحت التهديد—يصدرون أحكامًا لصالح النافذين. الاغتيالات الممنهجة هي الرسالة التي تُوجه لأي محامٍ أو صاحب حق يحاول استرداد أرضه. لقد أصبح القتل 'قانونًا موازيًا' يطبق في الشوارع لحسم أي نزاع قضائي. هذه الممارسات ليست عشوائية، بل هي منهجية تهدف لترسيخ نفوذ المليشيا، وتغيير التركيبة السكانية والاقتصادية للمحافظة. الحديدة تذبح يوميًا، ليس بالسلاح فحسب، بل بحرمان أهلها من أبسط حقوقهم الإنسانية، وتغييب العدالة التي تحولت إلى خادم مطيع للقتلة."

ختامًا: الحديدة.. صرخة من تحت الأنقاض
إن الحديدة، التي كانت شريان اليمن الاقتصادي وبوابة السلام، تحولت اليوم إلى ضحية لأكبر عملية نهب واغتيال منظم في تاريخ اليمن الحديث.
إن ما نراه من سلب للأراضي وتصفية للأحرار ليس إلا وجهًا من أوجه الاحتلال الداخلي الذي تفرضه المليشيا على هذه المدينة المسالمة. إن هؤلاء القتلة لا يبنون دولة، بل يشيدون مقابر على أنقاض أحلامنا، ويثرون على حساب دماء أبنائنا.
إن استمرار هذا التوحش يعني أن الحديدة ستفقد هويتها تمامًا، وستصبح مجرد مستعمرة للمشرفين. آن الأوان لأن يدرك العالم أن الحديدة ليست مجرد أرقام في تقارير إنسانية، بل هي مدينة تُغتال في كل لحظة، وتنتظر من يكسر صمت هذا الجلاد، ويعيد لها—ولأهلها—حقهم المسلوب في الحياة والكرامة.