صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
عندما يُرفع الستار في المسرح، يظن الجمهور أن كل ما يراه يحدث في تلك اللحظة. يصفق لهذا، ويستهجن ذاك، ويعتقد أن البطل اختار طريقه بإرادته، وأن الخصم تحرك بدافع الغضب، وأن النهاية وليدة الصدفة. لكنه لا يرى ما يحدث خلف الستار؛ حيث تُجهَّز المشاهد، وتُحدد مواقع الممثلين، ويُرسم توقيت الدخول والخروج، بينما يبقى المخرج بعيدًا عن الأضواء، لا يراه أحد، لكنه يترك بصمته في كل تفصيل.
وهكذا تبدو السياسة في كثير من الأحيان.
فليست كل الأحداث تُقرأ من ظاهرها، وليست كل التحالفات تعني صداقة، ولا كل الخصومات تعني عداءً دائمًا. وفي الملفات المعقدة، تتداخل المصالح الإقليمية والدولية حتى يصبح المشهد أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في طرفين يتقاتلان على الأرض.
واليمن كان واحدًا من أكثر المسارح السياسية تعقيدًا في المنطقة.
فعلى امتداد سنوات الحرب، لم يكن اليمنيون وحدهم من يتحركون فوق الخشبة، بل كانت هناك قوى إقليمية ودولية، لكل منها حساباتها الأمنية والسياسية والاستراتيجية. تعددت الأدوار، وتغيرت التحالفات، وتبدلت الأولويات، حتى أصبح المشهد بالنسبة لكثير من المتابعين أشبه بلوحة تتغير ألوانها كلما اقتربت من نهايتها.
لذالك ارئ أن سنوات الحرب لم تكن مجرد صراع على الأرض، بل مرحلة كشفت حقيقة المشاريع التي رفعت شعارات كبرى. فقد دخلت هذه المشاريع اختبار الواقع، حيث لم يعد يكفي رفع الشعارات أو استقطاب الأنصار، بل أصبح المعيار هو القدرة على بناء مؤسسات، وتحقيق الاستقرار، وكسب ثقة الناس.
ومع مرور الوقت، بدأت كثير من الأقنعة تتساقط.
فالخطاب شيء، وما يراه المواطن في حياته اليومية شيء آخر. والشعارات التي كانت تبدو براقة في البدايات أصبحت تصطدم بأسئلة الناس عن الأمن، والاقتصاد، والخدمات، ومستقبل الدولة.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الحرب أدت، بقصد أو بغير قصد، إلى تعرية عدد من المشاريع السياسية أمام الرأي العام. فالمشاريع التي كانت تُقدَّم باعتبارها الحل النهائي وجدت نفسها أمام اختبارات صعبة، وأصبح الناس أكثر قدرة على الحكم عليها من خلال نتائجها لا من خلال خطابها.
ولا يعني ذلك أن كل ما جرى كان نتيجة خطة واحدة محكمة أو أن جميع الأطراف كانت تتحرك بإرادة جهة واحدة؛ فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة قوية. لكن من الطبيعي أن تسعى الدول المؤثرة إلى حماية مصالحها، وأن تدعم أطرافًا أو تتخذ مواقف تراها منسجمة مع حساباتها، كما يحدث في كثير من الصراعات الإقليمية.
لقد غيّرت الحرب طريقة تفكير اليمنيين. فما كان يُنظر إليه يومًا باعتباره مشروعًا منقذًا، أصبح اليوم محل نقاش ونقد لدى كثيرين. وأصبح المواطن أكثر اهتمامًا بالسؤال عن الدولة، وعن المؤسسات، وعن القانون، أكثر من اهتمامه بالشعارات التي قسمت المجتمع وأطالـت أمد الصراع.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي خرجت بها سنوات الحرب: أن المشاريع، مهما كانت قوتها أو حجم الدعم الذي تحظى به، لا تستطيع أن تحل محل الدولة إذا فقدت ثقة الناس أو عجزت عن تلبية احتياجاتهم.
ولذلك فإن مستقبل اليمن لن يُبنى على انتصار مشروع على آخر، بل على قدرة اليمنيين على استعادة دولة تحكمها المؤسسات، وتُدار بالقانون، وتكون مرجعيتها مصلحة المواطن قبل أي اعتبار آخر.
وعندما يُسدل الستار على أي مسرحية، يغادر الممثلون الخشبة، وتُطفأ الأضواء، ويبقى الجمهور وحده يتذكر الحقيقة التي اكتشفها في النهاية.
أما اليمن، فقد دفع شعبه ثمنًا باهظًا خلال سنوات الحرب، وهو اليوم يتطلع إلى نهاية مختلفة؛ نهاية يكون فيها البطل الحقيقي هو الدولة، لا السلاح، ولا الشعارات، ولا المشاريع المتنافسة.
فالتاريخ لا يتذكر من أكثر من رفع صوته، بل من استطاع أن يبني وطنًا يصمد أمام العواصف. وعندما تهدأ الضوضاء، وتتراجع الانفعالات، سيبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: من الذي اقترب من بناء الدولة، ومن الذي ابتعد بها؟
ذلك السؤال، لا الشعارات، هو الذي سيكتب الفصل الأخير من الحكاية.