اخبار وتقارير

الجمعة - 31 يوليو 2026 - الساعة 09:24 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي

في السياسة كما في الحروب، لا تقاس القرارات بحسن النوايا، بل بنتائجها على الأرض. ومن هذا المنطلق، فإن أي توجه لمنح المليشيات الحوثية المدعومة من إيران فرصة جديدة للسلام يستدعي قراءة متأنية للتجارب السابقة قبل الرهان على تكرارها.

فمنذ أكثر من شهر تشهد الساحة اليمنية تصعيداً عسكرياً لافتاً، تمثل في هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع القوات الحكومية، وأراضي المملكة العربية السعودية، وطرق الملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر. وفي المقابل، كثفت الحكومة الشرعية، بدعم من التحالف العربي الداعم للشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، عملياتها العسكرية، مستهدفة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، ومخازن الأسلحة، ومواقع المليشيات، بالتوازي مع استعراض جانباً من جاهزية قواتها وقدراتها وإمكاناتها العسكرية، استعداداً لأي مرحلة قادمة.

هذه التطورات عززت لدى كثير من اليمنيين قناعة بأن معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب أصبحت أقرب من أي وقت مضى. غير أن المؤشرات السياسية والإعلامية المتداولة تشير إلى العودة إلى مسار المفاوضات ومنح المليشيات الحوثية فرصة جديدة للحلول السلمية. وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل المرحلة المقبلة وإمكانية تكرار تجارب التفاوض السابقة.

لا خلاف على أن السلام هو الخيار الأفضل متى ما كان سلاماً حقيقياً وعادلاً يضع حداً للحرب ويضمن استقرار اليمن ودول الجوار والمنطقة. لكن التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية أثبتت أن المفاوضات السابقة لم تتمكن من إحراز أي تقدم لتحقيق هذا الهدف، وانها تحولت الى فترات استغلتها المليشيات لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها العسكرية والسياسية.

إن أي عملية سلام لا ترتبط بضمانات واضحة وآليات تنفيذ ملزمة تتحول إلى فرصة لإطالة أمد الصراع بدلاً من إنهائها. كما أن منح امتيازات سياسية أو اقتصادية دون معالجة جذور الأزمة سيؤدي إلى تعزيز نفوذ المليشيات الحوثية وإطالة أمد الصراع وحالة عدم الاستقرار، بما ينعكس على أمن اليمن ودول الجوار وسلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

إن اليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق فإما سلام يقوم على تنفيذ الالتزامات واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الإنقلاب، وإما تكرار لتجارب أثبتت محدودية نتائجها. ولهذا، فإن نجاح أي مبادرة لا ينبغي أن يقاس بإعلان هدنة جديدة أو عقد جولة مفاوضات إضافية، بل بمدى قدرتها على تحقيق سلام مستدام يمنع تجدد الحرب، ويحفظ سيادة الدولة، ويصون أمن المنطقة، ويؤمن حرية الملاحة الدولية.

لقد دفعت اليمن والمنطقة أثماناً باهظة خلال سنوات الصراع، وما يحتاجه الجميع اليوم ليس مجرد فرصة جديدة للسلام، بل سلام حقيقي لا يمنح الحرب فرصة أخرى للعودة.