صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
ليست المعركة اليوم مجرد قرار إداري يتعلق بآلية صرف الرواتب، بل هي معركة بين مشروعين؛ مشروع يريد بناء مؤسسة عسكرية حديثة تقوم على النظام والشفافية، ومشروع آخر اعتاد أن تبقى الفوضى مصدر نفوذه ومصالحه. منذ إعلان وزارة الدفاع اعتماد صرف رواتب العسكريين مباشرة عبر الحسابات البنكية والبطاقة الذكية، بدأت حملة واسعة من التشكيك والاعتراض والضغط. وليس من الصعب ملاحظة أن هذه الحملة لا تقتصر على النقد الطبيعي، بل تتخذ في بعض الأحيان طابعًا إعلاميًا ونفسيًا منظمًا، هدفه إثارة المخاوف وإفشال أي إصلاح يمس مراكز النفوذ التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
سيادة وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي... واصل طريقك، فالدولة لا تُبنى بالمجاملة، والجيوش لا تنتصر بالفساد، والمؤسسات لا تستقيم إذا بقيت رهينة لأشخاص يعتقدون أن النظام يهدد مصالحهم. إن أي عملية إصلاح حقيقية لا بد أن تواجه مقاومة من المستفيدين من الوضع القائم، وهذه ليست خصوصية يمنية، بل حقيقة شهدتها كل الدول التي حاولت استعادة مؤسساتها بعد الحروب.
إذا كان بعض القادة يرفضون أن يستلم الجندي راتبه بنفسه، فالسؤال الذي ينتظر الجميع إجابته هو: لماذا؟ ما الذي يخيفهم من أن تصل حقوق الجندي كاملة إلى حسابه؟ ولماذا يتحول راتب المقاتل البسيط إلى قضية تستنفر كل هذا الرفض؟ الجندي الذي رابط بين الجبال والصحارى والشعاب طوال سنوات الحرب لم يكن يبحث عن ثراء، ولم يغادر أهله من أجل بناء القصور أو افتتاح الشركات أو مراكمة المصالح، بل خرج لأنه آمن بقضية استعادة الدولة، وقدم من عمره وصحته وراحته ما لم يقدمه كثيرون ممن أصبحوا اليوم بعيدين عن ميادين القتال.
هناك آلاف المقاتلين الذين يعرفون معنى التضحية. رجال أمضوا سنوات في الخنادق، لا تزال بنادقهم معلقة على أكتافهم، بينما تنتظرهم أمهات وآباء وزوجات وأطفال لا يريدون سوى أن يعودوا إليهم مرفوعي الرأس بعد استعادة صنعاء والدولة. كم من أم نامت وهي لا تعرف هل سيعود ابنها أم سيكون اسمه في قائمة الشهداء؟ وكم من أب أخفى دموعه وهو يودع ابنه إلى الجبهة؟ وكم من طفل كبر وهو لا يرى والده إلا في إجازات قصيرة؟ هؤلاء لم يطلبوا امتيازات، بل طالبوا بحقوقهم فقط.
أتذكر جيدًا عام 2020، عندما انهارت قيمة الريال اليمني ووصلت الأوضاع الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة، ووصل الريال إلى الحضيض، فاقتنع كثير من الأهالي الشرفاء بأن رواتب أبنائهم أحق بها أبطال الثغور من مضاربي الصرافات الذين أثروا على حساب دماء المرابطين. كانوا يعلمون أن المعركة أكبر من لقمة العيش، وأن استعادة الدولة تستحق الصبر، واليوم، وبعد كل تلك التضحيات، من حق الجندي أن يستلم راتبه كاملًا، دون وسيط، ودون استقطاع غير مشروع، ودون أن يبقى رهينة لأي شخص.
إن الإصلاح المالي داخل المؤسسة العسكرية ليس مجرد إجراء محاسبي، بل خطوة لاستعادة الثقة بين الدولة وجنودها. ومن يخشى هذا الإصلاح، عليه أن يراجع موقفه، لأن المؤسسة العسكرية يجب أن تكون مؤسسة قانون، لا مؤسسة أفراد. لقد شهدنا كيف خرج البعض وهم لا يملكون شيئًا سوى "شنطة كريستال"، ثم تحولوا بقدرة قادر إلى رجال أعمال، وبرجوازية طفيلية، وشيوخ و"قادة" عظام. تركوا السلاح والجهاد، وتناسوا العودة إلى منازلهم القديمة، وانتقلوا إلى القصور، وألحقوا أبناءهم بأغلى المدارس والجامعات، حتى أصبحت العودة إلى صنعاء بالنسبة لبعضهم تهديدًا لمصالحهم وشبكات نفوذهم.
هؤلاء هم أنفسهم من يرفضون اليوم أن يستلم الجندي المرابط حقوقه كاملة وبشكل مباشر، لأنهم يخشون سقوط كشوفاتهم الوهمية وتوقف منافعهم غير المشروعة. لكن الجندي اليوم يعلم أن أمامه وزيرًا يقف إلى جواره، يدرك أن هؤلاء الأبطال لن يتغيبوا عن مواقعهم، ولن يتركوا الجبهات، بل سيظلون في أعلى درجات الجاهزية ليلًا ونهارًا استعدادًا لأي معركة فاصلة نحو صنعاء، لتسقط كل الذرائع التي اتخذها البعض غطاءً لاستمرار الفساد.
أما الحديث عن أن تطبيق النظام الجديد سيؤثر على الجبهات، فهو ادعاء ستكشف الأيام حقيقته. فالمقاتل الحقيقي لا يترك موقعه لأنه استلم راتبه مباشرة، بل تزداد ثقته بقيادته عندما يشعر أن حقوقه مصانة. واليوم تملك القوات المسلحة آلاف القادة الميدانيين الذين صنعتهم سنوات القتال، رجال يعرفون الجبهات شبرًا شبرًا، واكتسبوا خبرتهم تحت القصف لا خلف المكاتب. فالدولة لا تقف على شخص، ولا تتعطل بقيادة بعينها، والمؤسسات القوية تُبنى على الأنظمة لا على الأفراد.
سيادة الوزير... إن معركة الإصلاح الإداري لا تقل أهمية عن معركة الميدان، لأن الجندي الذي يثق بدولته يقاتل بإيمان أكبر، والمؤسسة التي تُدار بالقانون أقوى من أي مؤسسة تُدار بالمصالح. سِر أيها القائد، ولا تلتفت إلى الوراء، فما تقوم به اليوم ليس مجرد إصلاح مالي، بل تأسيس لنظام مؤسسي سيبقى بعدك، ويمنع أي مسؤول مستقبلاً من العبث بحقوق الجنود أو الالتفاف على القانون.
عشر سنوات من المعاناة كانت أكثر من كافية للصوص وأصحاب المصالح الضيقة. كفاكم عبثًا وإثراءً على حساب الدماء. إن كنتم لا تريدون الجبهات، فاذهبوا إلى مشاريعكم وتجاراتكم، فلم تعد لكم حاجة براتب الجندي ولا بخدمة الوطن. دعوا الشرفاء يكملون الواجب. لماذا كل هذا الحقد على جندي مرابط يتسلم راتبه بالريال السعودي ليؤمّن قوت أسرته؟ ألم تشبعوا من سنوات النهب؟ دعوا هذا الجندي يرسل لقمة العيش لأهله في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث ينتظرونه بين الجوع والمرض والفقر، كما ينتظرون عودته مكللًا بالنصر.
لقد ائتمنكم الشعب على أبنائه ليقاتلوا في صفوف القوات المسلحة لاستعادة مؤسسات الدولة، لا لتبنوا القصور وتفتحوا شركات الصرافة وتستثمروا في معاناة الناس. واليوم يستعيد الأبطال حقوقهم المسلوبة، وينتظرون الخطوة الثانية: انطلاق المعركة الفاصلة. فلا تشغلوا أنفسكم بالمتخاذلين وأصحاب المصالح، فالقانون كفيل بمن يعرقل، والشعب اليمني بأكمله ينتظر استعادة الدولة، والنظام سيمضي على الجميع... شاء من شاء وأبى من أبى. فالجندي الذي حمل البندقية دفاعًا عن الجمهورية يستحق أن تصله حقوقه كاملة، والوطن الذي قدم أبناؤه كل هذه التضحيات يستحق جيشًا لا يتحكم فيه الفساد، بل تحكمه الدولة. وحين ينتصر النظام على الفوضى، ستكون تلك بداية الطريق الحقيقي نحو صنعاء، ونحو استعادة الدولة التي ينتظرها ملايين اليمنيين.