صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
كان هناك سدٌّ عظيم يحمي مدينة كاملة من الفيضان. ومع مرور السنوات ظهرت فيه شقوق صغيرة، لكن المسؤولين اختلفوا: هذا ينكر وجودها، وذاك يؤجل إصلاحها، وثالث يستغلها لمصلحته. ظل الخلاف أكبر من الخطر، حتى جاء يوم لم يعد فيه السد يحتمل، فانفجر دفعة واحدة، ولم يفرق الماء بين مذنب وبريء.
هكذا يحدث أحيانًا مع الأوطان.
فالحروب لا تولد فجأة، بل تسبقها سنوات من الأخطاء المؤجلة، والقرارات المرتبكة، والصراعات التي كان يمكن احتواؤها لو انتصرت الحكمة على المصالح.
في اليمن، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نتيجة لمسار سياسي طويل امتلأ بالأخطاء. كل طرف كان يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه، بينما كان الوطن وحده هو الذي يخسر.
وحين عجزت السياسة عن إصلاح نفسها، جاءت الحرب لتفرض واقعًا لم يكن أحد يتمناه.
لا أحد يستطيع أن يصف الحرب بأنها خير، فهي لا تزرع إلا الألم، ولا تخلف إلا الدموع والخراب. لكنها، رغم ذلك، أجبرت الجميع على رؤية الحقيقة كما هي، بعيدًا عن الشعارات والخطب والانفعالات.
لقد أثبتت السنوات أن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال، ولا بالمغامرات، ولا بتغليب المشاريع الضيقة على المشروع الوطني. وأثبتت أن انهيار الدولة لا يفتح الباب للحرية كما يتخيل البعض، بل يفتح أبواب الفوضى التي لا تستثني أحدًا.
لقد غيّرت الحرب كثيرًا من القناعات. ما كان يُنظر إليه يومًا على أنه انتصار، أصبح عند كثيرين عبئًا ثقيلًا. وما كان يُستهان به من قيمة الدولة ومؤسساتها، أصبح اليوم مطلبًا لا غنى عنه لكل من ذاق مرارة الفوضى.
وربما يكون أعظم ما فعلته الحرب أنها أعادت ترتيب الأولويات. فبعد سنوات من الصراع، أدرك الناس أن الأمن ليس رفاهية، وأن الاقتصاد ليس مجرد أرقام، وأن الاستقرار أساس الحياة كلها.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يكفي أن نتعلم؟
إذا كانت الحرب قد كشفت الأخطاء، فإن السياسة الجديدة مطالبة بألا تعيد إنتاجها. وإذا كانت التضحيات قد علمتنا قيمة الوطن، فمن الظلم أن نهدر هذا الدرس بالعودة إلى الممارسات نفسها التي أوصلتنا إلى هذا المصير.
إن الشعوب العظيمة ليست تلك التي لا تسقط، بل تلك التي تعرف كيف تنهض بعد السقوط، وكيف تحول مآسيها إلى بداية جديدة.
ولعل اليمن اليوم يقف أمام فرصة تاريخية؛ فرصة لمراجعة كل شيء، وتصحيح كل ما يمكن تصحيحه، وبناء دولة تكون مصلحة الوطن فيها أعلى من مصلحة الأشخاص والجماعات. فالسد الذي انهار لا يعود كما كان بمجرد إيقاف الفيضان، بل يحتاج إلى إعادة بنائه على أساس أقوى من السابق.
وكذلك اليمن لا يكفي أن تصمت البنادق، بل يجب أن تُبنى السياسة من جديد، على الحكمة، والمسؤولية، والدولة، حتى لا يجد هذا الوطن نفسه مرة أخرى أمام فيضان جديد، سببه أخطاء كان يمكن إصلاحها بكلمة، فانتهت بسنوات من الحرب.