اخبار وتقارير

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 10:44 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب

هناك لحظات لا تحتاج فيها الشعوب إلى مزيد من الكلام، ولا تحتاج إلى خطب طويلة أو بيانات جديدة، لأنها تكون قد وصلت إلى مرحلة يصبح فيها القرار أهم من الكلام، والفعل أهم من الانتظار.
واليمن اليوم يقف أمام واحدة من هذه اللحظات.
سنوات من الحرب مرت، سنوات من الدم والتضحيات، سنوات والجبهات مفتوحة، والجنود في مواقعهم، والمواطن يدفع الثمن كل يوم، والبلاد تتآكل اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، بينما لا تزال معركة استعادة الدولة معلقة بين قرار لم يصدر، وحسابات لم تنتهِ، وانتظار طال أكثر مما يحتمل اليمن.
وهنا السؤال الذي لم يعد من الممكن الهروب منه:
ماذا بقي للشرعية حتى تقول: الآن؟
ماذا بقي حتى يتحول الحديث عن تحرير اليمن من شعار إلى مشروع؟
وماذا بقي حتى تعرف القوى الموجودة في الميدان إلى أين تتجه، ويعرف الجندي لماذا يقاتل، ويعرف المواطن متى ستنتهي هذه السنوات الثقيلة؟
فالأرض ليست خالية من الرجال، والجبهات ليست خالية من المقاتلين، والقضية ليست جديدة، والناس لم تعد بحاجة إلى من يشرح لها حجم الخطر.
الخطر واضح.
والمشكلة واضحة.
والحوثي يعرف ماذا يريد، بينما السؤال الذي يبحث اليمنيون عن إجابته هو: ماذا تريد الشرعية؟
هل تريد إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة؟
هل تريد أن تبقى الحرب مفتوحة إلى ما لا نهاية؟
هل تنتظر تسوية جديدة؟
أم أنها تنتظر أن تتغير الظروف وحدها بينما يواصل اليمنيون دفع فاتورة الانتظار؟
إنها أسئلة وطنية يجب أن تجد إجابة.
فالشرعية لا يمكن أن تبقى إلى الأبد في منطقة المنتصف؛ لا حرب تنهي الانقلاب، ولا سلام يعيد الدولة، ولا قرار واضح، ولا رؤية يعرف الناس من خلالها إلى أين يتجه اليمن.
الانتظار قد يكون هدنة مؤقتة،او ترتيب صفوف، لكنه لا يمكن أن يكون مشروع دولة. وكلما طال الانتظار، أصبح الحوثي أكثر قدرة على ترتيب صفوفه، بينما يصبح المواطن أكثر إنهاكًا، وتتحول الحرب من معركة لها هدف إلى واقع يعتاد الناس عليه.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
اليمن لا يحتاج إلى حرب من أجل الحرب، لكنه يحتاج إلى قرار ينهي حالة الحرب.
وإذا كان خيار استعادة الدولة هو الخيار الذي ما زالت الشرعية تتمسك به، فعليها أن تمتلك الشجاعة السياسية لتحويل هذا الخيار إلى مشروع واضح.
ليس المطلوب أن تُفتح الجبهات بطريقة عشوائية، ولا أن يُدفع اليمنيون إلى معركة بلا حساب.
المطلوب أن يكون هناك قرار وطني واضح، وخطة واضحة، وقيادة واضحة، وهدف واضح.
وأن تتوحد الجبهات بدل أن تتنافس.
أن تتقدم مصلحة الدولة على مصالح القوى.وأن يعرف الجميع أن المعركة، إن بدأت، ليست معركة حزب ضد حزب، ولا منطقة ضد منطقة، ولا طرف ضد طرف، وإنما معركة من أجل استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء حالة السلاح خارجها.
وهذا هو الفرق بين الحرب التي تزيد الجراح، والمعركة التي تفتح طريق الخلاص.
فالتحرير ليس مجرد دخول مدينة.
التحرير الحقيقي هو أن يعود المواطن إلى منزله وهو يشعر أن الدولة موجودة.
أن يعود الجيش إلى مؤسسة واحدة.
أن يصبح السلاح تحت سلطة الدولة.
أن تعود المؤسسات إلى العمل.
أن يشعر اليمني أن مستقبله لم يعد مرهونًا بجولة جديدة من الحرب.
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
هل أعدت الشرعية نفسها لليوم التالي؟
لأن استعادة الأرض وحدها لا تكفي.
ماذا بعد استعادة الأرض؟
كيف ستعود المؤسسات؟
كيف ستُحفظ حقوق الناس؟
كيف ستُوحّد القوات؟
كيف سيُعاد الاقتصاد؟
وكيف سيُمنع اليمن من السقوط في صراع جديد بعد انتهاء المعركة؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون حاضرة قبل إطلاق أي عملية، لا بعدها.فالخطأ الأكبر أن نربح معركة ونخسر الدولة.
واليمن لا يحتمل جولة أخرى من الأخطاء.
لقد تعب المواطن من البيانات.
وتعب من الوعود.
وتعب من الانتظار.
وتعب من أن يسمع كل يوم أن هناك ترتيبات، وأن هناك تحركات، وأن هناك حلولًا قادمة، بينما حياته تزداد صعوبة، وأزماته تزداد، ومستقبل أبنائه يزداد غموضًا.

ولهذا فإن السؤال الموجه إلى الشرعية ليس سؤالًا عسكريًا فقط، بل سؤال سياسي وتاريخي:
هل أنتم مستعدون لتحمل مسؤولية القرار؟
فالتاريخ لا يسجل عدد البيانات التي صدرت، وإنما يسجل القرارات التي اتخذت في اللحظات الصعبة.
ولا يسجل كم مرة قيل إن المعركة قادمة، وإنما يسجل متى بدأت الدولة في استعادة قرارها.
قد تكون الظروف قد تغيرت، وقد تكون المعطيات قد نضجت، وقد تكون هناك فرص لا تتكرر.
لكن الفرصة التي لا تتحول إلى قرار تضيع.
والقوة التي لا يجمعها قرار تصبح مجرد طاقات متفرقة.
والجبهات التي لا يجمعها هدف واحد تبقى جبهات تنتظر.
لذلك، إذا كانت الشرعية ترى أن استعادة الدولة هي هدفها، فهذه هي اللحظة التي يجب أن تضع فيها اليمن أمام الحقيقة كاملة.
إما أن يستمر الانتظار، وإما أن يبدأ العمل الجاد لاستعادة الدولة.
أما أن يبقى اليمن معلقًا بين الحرب والسلام، وبين التحرير والتسوية، وبين التصريحات والواقع، فهذا هو السيناريو الذي استنزف اليمن طوال السنوات الماضية.
اليمن لا يريد حربًا مفتوحة.
ولا يريد سلامًا هشًا.
اليمن يريد نهاية حقيقية لهذه المأساة.
يريد دولة.
يريد جيشًا واحدًا.
يريد قرارًا واحدًا.
يريد مؤسسات تحميه.
ويريد أن يرى صنعاء وسائر المدن اليمنية تعود إلى حضن الدولة، لا أن تبقى رهينة للسلاح والصراع.
ولهذا أعود إلى السؤال الأول:
كل شيء جاهز.. الجندي موجود، والجبهة موجودة، والقضية موجودة، والشعب ينتظر.. فأين قرار الشرعية؟
ففي بعض اللحظات، لا يكون التأخير حيادًا.
وفي بعض اللحظات، يصبح الصمت قرارًا.
واليمن اليوم ينتظر من الشرعية أن تتخذ قرارها.
فإما أن تبدأ مرحلة استعادة الدولة، أو يبقى اليمن يدور في الدائرة نفسها، بينما يدفع الشعب الثمن.
والتاريخ، في النهاية، لا يرحم من امتلك فرصة إنقاذ وطنه ثم اختار الانتظار.