اخبار وتقارير

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 11:21 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي

اثنا عشر عاماً من الحرب، والانقلاب، والتهجير، والفقر، والجوع، والخوف، والانقسام، وما يزال اليمنيون يدفعون وحدهم فاتورة صراع لم يختاروه، فيما تتوارى المسؤوليات خلف بيانات سياسية ووعود لا تنتهي.

إنها مأساة وطن أُنهكت دولته، وشُرد أبناؤه، وتبددت موارده، وتحولت حياة الملايين فيه إلى رحلة يومية مع المعاناة. ملايين اليمنيين وجدوا أنفسهم خارج وطنهم، موزعين في المنافي، يكابدون قسوة الغربة والشتات، بينما يعيش من بقي في الداخل بين نار الحرب وقسوة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والأمنية.

ففي مناطق سيطرة الشرعية، لا يزال المواطن يدفع ثمن ضعف الدولة وتراجع مؤسساتها وعجزها عن توفير الحد الأدنى من الخدمات والحماية والاستقرار، في وقت تتراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية وتتسع دائرة الفقر والبطالة وانعدام الأمان.

أما في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية، فالمأساة أكثر تعقيداً، حربٌ وانقلاب، وفوقهما منظومة من القمع والملاحقة والاعتقال والتهديد والنهب ومصادرة الحريات، وفرض القيود على المجتمع، ومحاولات إعادة تشكيل الحياة العامة وفق رؤية طائفية وسياسية أحادية لا تقبل الاختلاف ولا تعترف بحق اليمنيين في رفضها.

لقد حول الحوثيون انقلابهم على الدولة إلى مشروع دائم لإدارة البلاد بالقوة، وأصبح السلاح بديلاً عن الدستور، والإكراه بديلاً عن الدولة، والولاء للجماعة معياراً للموقف السياسي والاجتماعي.
ولم تعد القضية مجرد خلاف سياسي أو صراع على السلطة، فقد امتد الانقلاب إلى مؤسسات الدولة والمجتمع، وترك آثاراً عميقة في الاقتصاد والتعليم والإعلام والقضاء والحياة العامة، بينما ظل المواطن هو الحلقة الأضعف والأكثر دفعاً للثمن.

وهكذا، يعيش اليمنيون جميعاً، سواء النازحون والمشردون خارج الوطن أو المقيمون في مناطق سيطرة الشرعية أو الخاضعون لسيطرة المليشيات الحوثية، أوضاعاً مآساوية صعبة تتفاوت في تفاصيلها وتتفق في قسوتها وآثارها الإنسانية والمعيشية.

وإذا كانت مليشيات الحوثي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن الانقلاب وإشعال الحرب وتقويض مؤسسات الدولة، فإن ذلك لا يعفي القيادات المتعاقبة في الشرعية من مسؤوليتها عن حالة العجز والارتباك التي رافقت سنوات الحرب.
لقد كان يفترض بالشرعية أن تكون دولة في مواجهة انقلاب، وأن تتحول مؤسساتها إلى أداة لحماية اليمنيين واستعادة الدولة، لا أن تصبح هي الأخرى عنواناً للعجز والانقسام وتراكم الأزمات.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن استمرار المأساة ليس قدراً مكتوباً على اليمنيين، كما أن إطالة الحرب ليست استراتيجية وطنية بحد ذاتها. فكل يوم يمر دون حسم سياسي وعسكري لمشكلة الانقلاب يعني مزيداً من الفقر والنزوح والانهيار، ومزيداً من إهدار مستقبل أجيال كاملة.

لقد آن الأوان لأن تدرك قيادة الشرعية أن مسؤوليتها التاريخية لا تتمثل في إدارة الأزمة، بل في إنهائها، وأن استعادة الدولة ليست شعاراً سياسياً، وإنما واجب دستوري وأخلاقي تجاه شعب أنهكته الحرب.٠
كما آن الأوان للمجتمع الدولي أن يتعامل مع المأساة اليمنية باعتبارها قضية دولة وشعب، لا مجرد ملف إنساني لإدارة آثار الحرب، وأن يضغط بجدية من أجل إنهاء أسبابها لا الاكتفاء بمعالجة نتائجها.

اليمن لا يحتمل أعوام جديدة من الانتظار والخذلان. والشعب الذي صبر اثني عشر عاماً لا يحتاج إلى مزيد من الخطب والوعود، بل إلى دولة تستعيد قرارها، وسلطة تتحمل مسؤوليتها، وسلام عادل أو خيار مناسب ينهي الانقلاب ويصون الجمهورية ويعيد لليمنيين وطنهم. فاليمن لا يحتاج إلى إدارة المأساة بعد اليوم؛ اليمن يحتاج إلى إنهائها.