صدى الساحل - متابعات - وكالة - 2ديسمبر
كشفت عمليات تحقق ومراجعات أجراها مختصون في البحث عبر المصادر المفتوحة، عن تضليل في مشاهد بثتها مليشيا الحوثي الإرهابية، وزعمت أنها توثق عمليات عسكرية حديثة في الساحل الغربي ومأرب، بعدما تبين أن عددًا من اللقطات يعود إلى أحداث سابقة، فيما جرى تحديد مواقع أخرى قرب الحدود اليمنية ولا تمت بصلة إلى الأماكن التي حاولت المليشيا نسبها إليها.
وجاء بث التسجيل الحوثي، الجمعة، عقب انتشار واسع لمشاهد نشرها الإعلام العسكري للقوات المسلحة اليمنية خلال الأسبوعين الماضيين، ووثقت استهداف الطائرات المسيّرة مواقع وتحركات وتجمعات وآليات للمليشيا في عدد من جبهات القتال.
وأظهرت مراجعات أجراها مختصون، بينهم الخبير في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي فاروق الكمالي، وخبير التقنيات والاتصالات وائل البدري، إلى جانب إفادة المتحدث باسم محور الضالع فؤاد قائد جباري، أن التسجيل الحوثي تضمن مشاهد قديمة أعيد استخدامها وتقديمها باعتبارها عمليات حديثة.
كما تحدث مختصون عن وجود مؤشرات على معالجة بعض اللقطات باستخدام تقنيات حديثة، بما في ذلك تضخيم شكل الانفجارات، فيما أثارت مشاهد أخرى شكوكًا واسعة بسبب عدم تناسب الانفجارات الظاهرة مع طبيعة المقذوفات والأهداف التي يعرضها التسجيل.
ويعزز توقيت نشر المادة الحوثية فرضية ارتباطها بمحاولة تقديم رواية إعلامية مضادة للمشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية مؤخرًا، خصوصًا بعد دخول الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في عملياتها واستهدافها مواقع وتعزيزات للمليشيا.
- من عملية «حديثة» إلى قصف وقع عام 2023
ومن أبرز اللقطات التي انكشف تاريخها مشهد حاول إعلام المليشيا تقديمه ضمن العمليات الأخيرة، قبل أن يكشف المتحدث باسم محور الضالع، فؤاد قائد جباري، أنه يعود إلى اعتداء حوثي وقع في محافظة الضالع قبل أكثر من ثلاثة أعوام.
وقال جباري، إن المشهد يعود إلى مارس 2023، عندما استهدفت المليشيا مركبة مدنية كانت متوقفة داخل حرم عيادة طبية ريفية في منطقة حجر، مؤكدًا أن الجريمة وثقت ونشرتها وسائل إعلام في حينها.
وبذلك، لم يكن المشهد الذي أعادت المليشيا إدراجه ضمن تسجيلها الأخير عملية عسكرية حديثة في الساحل الغربي أو مأرب، وإنما لقطة من اعتداء سابق أعيد تدويرها داخل مادة جديدة.
وقال جباري إن إعادة استخدام مشاهد قديمة وتقديمها باعتبارها توثيقًا لعمليات حديثة يكشف جانبًا من التضليل الذي تمارسه المليشيا، ومحاولتها إعادة تدوير أحداث سابقة لتقديمها لجمهورها بوصفها إنجازات عسكرية جديدة.
- خرائط الأقمار الصناعية تنقل «العملية» إلى الحدود
ولم يتوقف كشف التلاعب عند تاريخ المشاهد؛ إذ أظهرت عمليات مطابقة للمواقع الجغرافية أن لقطات أخرى لا تعود إلى مأرب أو الساحل الغربي كما زعم إعلام المليشيا.
وقال الخبير في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي فاروق الكمالي، إن مقارنة أحد المواقع الظاهرة في التسجيل بصور الخرائط أظهرت ارتباطه باستهداف سابق وقع على مسافة قريبة من منفذ الطوال الحدودي بين اليمن والسعودية خلال الفترة بين عامي 2022 و2023.
كما أفاد خبير التقنيات الحديثة والاتصالات وائل البدري بأن معظم ما تضمنه التسجيل يعود إلى مشاهد قديمة، مشيرًا إلى استخدام تقنيات حديثة في معالجة بعضها، ومؤكداً أن ما نشرته المليشيا تحول إلى مادة للسخرية وكشف حالة التخبط في خطابها الإعلامي.
وبحسب البدري، فإن المشهد الذي يظهر إسقاط قذيفة على دبابة لا يعود إلى مأرب أو الساحل الغربي، وإنما إلى منطقة حدودية، وهو ما انطبق أيضاً على مشاهد أخرى وثقت اعتداءات حوثية ضد المملكة العربية السعودية الشقيقة قبل الهدنة.
- الجغرافيا لا تخضع للمونتاج
وتضع مطابقة المواقع التسجيل الحوثي أمام مشكلة تتجاوز شكل الانفجارات والمؤثرات البصرية؛ إذ يمكن تعديل الصورة وإعادة قص المشاهد وتقديمها في سياق جديد، لكن المعالم الجغرافية تظل قابلة للمقارنة مع صور الأقمار الصناعية والخرائط الرقمية.
ومن هنا، تحولت أدوات التحقق الحديثة إلى وسيلة لكشف إعادة تدوير المواد القديمة، من خلال مقارنة التضاريس والطرق والمنشآت والمعالم الظاهرة في التسجيل بالمواقع الحقيقية.
أما الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض المشاهد، فقد أورده مختصون حللوا التسجيل، وأشاروا إلى مؤشرات على معالجة لقطات وتضخيم تأثيرات الانفجارات، إلا أن إثبات توليد مشهد كامل بالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تحليل تقني موثق يتجاوز الملاحظة البصرية وحدها.
-لماذا الآن؟
ويكتسب توقيت نشر التسجيل أهمية خاصة؛ إذ جاء بعد أيام من تداول واسع لمشاهد بثتها القوات الحكومية وأظهرت ضربات بالطائرات المسيّرة ضد مواقع وعناصر وآليات وتعزيزات حوثية في أكثر من جبهة.
وبعد سنوات ظلت فيها المليشيا تقدم الطائرات المسيّرة باعتبارها إحدى أدوات تفوقها العسكري، أظهر دخول هذا السلاح بقوة إلى عمليات القوات الحكومية تحولًا في مشهد المواجهة، رافقه حضور إعلامي واسع للضربات المصورة من الجو.
وفي هذا السياق، بدا التسجيل الحوثي محاولة لاستعادة زمام المبادرة في حرب الصورة وتقديم مشاهد مضادة، غير أن إعادة استخدام لقطات قديمة ونسب بعضها إلى مواقع مختلفة وضعت المادة نفسها تحت مجهر التحقق.
- «انتصارات» لا تصمد أمام التحقق
وتكشف المقارنات التي قدمها المختصون أن معركة الصورة لم تعد قابلة للإدارة بالطريقة ذاتها؛ فالمشهد الذي يمكن تقديمه لجمهور المليشيا على أنه ضربة وقعت أمس في الساحل الغربي، قد تكشفه صورة أقمار صناعية باعتباره غير صحيح، وقد يعيد البحث في الأرشيف لقطة أخرى إلى حادثة موثقة قبل سنوات.
وبدلًا من أن يغطي التسجيل على مشاهد خسائر المليشيا التي انتشرت خلال الأيام الماضية، تحول هو نفسه إلى مادة تخضع للتدقيق والمقارنة، لتتكشف لقطات قديمة أعيد تدويرها وأخرى نسبت إلى غير مواقعها، وسط تأكيدات من مختصين باستخدام تقنيات حديثة لمعالجة بعض المشاهد.
وهكذا، تستطيع غرف المونتاج تغيير شكل الصورة وتضخيم انفجار وإعادة تدوير لقطة قديمة، لكنها تصطدم في النهاية بما يصعب فبركته: المكان والتاريخ والأرشيف.