صدى الساحل - خبر تحليلي - خاص
بينما تدفع مليشيا الحوثي بثقلها العسكري نحو غرب تعز والساحل الغربي في محاولة للوصول إلى مناطق قريبة من باب المندب، تتلقى الجماعة ضغوطاً متزايدة في جبهات أخرى، وفي مقدمتها محافظة الجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني والسيطرة على مواقع مهمة والتقدم باتجاه معسكر اللبنات، بالتزامن مع حديث رسمي عن استسلام عشرات الحوثيين وتسليم أسلحتهم.
ويكشف هذا المشهد، وفق قراءة عسكرية، عن مأزق ميداني مبكر تعانيه المليشيا؛ فهي تحاول فتح اتجاهات هجومية متباعدة بدلاً من معالجة الاختلالات التي تواجهها في الجبهات الأساسية.
مغامرة نحو باب المندب لإنقاذ جبهات تتهاوى
يبدو الاندفاع الحوثي باتجاه غرب تعز والساحل الغربي أقرب إلى محاولة لتشتيت الضغط الواقع على الجماعة في الجوف ومأرب والبيضاء، منه إلى كونه مساراً عسكرياً قادراً على تحقيق اختراق استراتيجي مستدام.
فالمليشيا تحاول التقدم عبر مناطق شديدة التعقيد، في وقت تواجه فيه مقاومة شرسة في محاور البرح ومقبنة والكدحة. وتؤكد المعطيات الميدانية أن القوات الحكومية أفشلت محاولات الحوثيين للتمدد السريع، فيما تحولت المعركة إلى استنزاف يربك حسابات الجماعة.
ويطرح هذا الاندفاع تساؤلات حول دوافعه، خصوصاً مع قراءة ترى أن الجماعة تحاول تحقيق مكسب باتجاه باب المندب يخدم حسابات إقليمية مرتبطة بإيران، حتى ولو كان الثمن استنزاف قواتها في معارك بعيدة عن مراكز ثقلها التقليدية.
عندما يتحول الهجوم إلى عبء
بدلاً من تحقيق اختراق حاسم، بات الهجوم الحوثي في غرب تعز والساحل يحمل مخاطر عسكرية متزايدة على المليشيا نفسها؛ إذ إن التقدم دون تأمين خطوط الإمداد والخاصرة الخلفية يترك القوات المهاجمة عرضة للاستنزاف والضربات المضادة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المعارك في الكدحة ومقبنة والبرح لم تمنح الحوثيين الطريق السهل الذي كانوا يراهنون عليه، بينما أدى اتساع رقعة المواجهة إلى تشتيت الموارد البشرية والعسكرية للجماعة. كما أن الطريق بين تعز والمخا أصبح إحدى النقاط الحساسة في الصراع، ما يرفع كلفة أي محاولة حوثية للتمدد غرباً.
قصف المدن..
اعتراف ضمني بفشل التقدم
ومع تعثر التمدد البري، تلجأ المليشيا إلى تكثيف القصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة والمدفعية، في محاولة لتعويض عجزها عن تحقيق نتائج ميدانية حاسمة.
وقد شهدت جبهات تعز والساحل الغربي تصعيداً شمل إطلاق صواريخ باليستية وهجمات بمسيّرات، بالتزامن مع مواجهات برية، وهو ما يزيد المخاطر على المدنيين وطرق الإمداد والنزوح.
وبحسب هذه القراءة، فإن استهداف المناطق السكنية لا يمثل إنجازاً عسكرياً بقدر ما يعكس عجزاً عن كسر إرادة السكان والحاضنة المحلية الرافضة للمليشيا؛ فالقصف قد يرفع فاتورة المعاناة، لكنه لا يغير حقيقة أن السيطرة على الأرض تحتاج إلى قوة قادرة على الاحتفاظ بها، وليس مجرد إغراقها بالنيران.
المواطن اليمني يدفع ثمن مغامرة المليشيا
وفي الجانب الإنساني، تأتي هذه الجولة الجديدة من التصعيد لتفاقم معاناة السكان الذين تحملوا لسنوات نتائج الحرب، من توقف الرواتب وتدهور الخدمات إلى الحصار وتعطيل الطرق واستهداف المسافرين والمنشآت الحيوية.
وتكشف موجة النزوح الأخيرة في غرب تعز حجم الكلفة الإنسانية للتصعيد؛ فقد تحدثت الأمم المتحدة عن نزوح نحو 1790 أسرة منذ بدء المواجهات في 3 سبتمبر، في واحدة من أكبر موجات النزوح خلال الأشهر الأخيرة.
وهنا تظهر المفارقة: مليشيا تقول إنها تقاتل من أجل الشعب، لكنها تدفعه مجدداً إلى النزوح والخوف وانقطاع الطرق وارتفاع كلفة المعيشة.
الجوف.. الاختبار الذي قد يقلب الحسابات
إذا استمرت القوات الحكومية في الضغط بالجوف بالتوازي مع تثبيت خطوط الدفاع واحتواء الهجمات الحوثية غرب تعز، فإن المليشيا قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: جبهات مفتوحة، قوات موزعة، خطوط إمداد طويلة، وضغط متزامن على أكثر من محور.
والأخطر بالنسبة للحوثيين أن خسارة المبادرة في الجوف، بالتزامن مع تعثر مشروع التمدد نحو باب المندب، تعني أن الجماعة قد تكون فتحت معركة أكبر من قدرتها على إدارتها.
فالمعركة لا تُحسم بعدد الجبهات التي تفتحها المليشيا، وإنما بقدرتها على الحفاظ على مواقعها وإمداد قواتها وتحمل الاستنزاف.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري في الجوف وغرب تعز لا يبدو مجرد جولات منفصلة، بل اختباراً لقدرة الحوثيين على القتال في اتجاهات متعددة في وقت واحد. وإذا واصلت القوات الحكومية الضغط المتزامن، فقد تتحول مغامرة الجماعة نحو الغرب من محاولة لتخفيف الضغط إلى عامل يسرّع استنزافها ويكشف هشاشة انتشارها العسكري.