اخبار وتقارير

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 - الساعة 12:23 ص بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي

كلما أطل شهر سبتمبر، بدا أن التاريخ اليمني يفتح صفحاته من جديد، فثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م لم تعد مجرد محطة مضيئة في ذاكرة اليمنيين، بل تحولت إلى رمز حي لمعركة مستمرة بين مشروع الجمهورية ومشروع الكهنوت، وبين دولة المواطنة ومشروع السلالة والولاية.

لهذا تحديداً، يبدو سبتمبر كابوساً دائماً لمليشيا الحوثي، التي تدرك أن الثورة التي أسقطت الحكم الإمامي قبل أكثر من ستة عقود ما تزال حاضرة في وعي اليمنيين، وأن مبادئها الجمهورية تمثل نقيضاً فكرياً وسياسياً لمشروع الجماعة القائم على احتكار السلطة وتكريس مفهوم "الحق الإلهي" والسلالة.

فسبتمبر يقول بوضوح إن اليمنيين اختاروا الجمهورية، وإن الحكم ليس امتيازاً تمنحه السلالة ولا حقاً دينياً تدّعيه جماعة، بل مسؤولية تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون. ومن هنا تأتي حساسية الحوثيين تجاه كل ما يمت بصلة إلى الثورة ورموزها وأعلامها وأناشيدها.

ومع كل سبتمبر، يتجدد الوعي الشعبي بصورة يصعب على أدوات القمع إخمادها. تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء وطني واسع، وتعود الأناشيد الجمهورية إلى الواجهة، ويرتفع العلم اليمني في البيوت والسيارات والشوارع، لتصل رسالة واحدة: ذاكرة الثورة لم تُختطف، والجمهورية لم تصبح من الماضي.

ولأن المليشيا تدرك أن الوعي أخطر من الاحتفال، فإنها تتعامل مع سبتمبر بمنطق أمني قمعي، فتفرض القيود وتلاحق الناشطين وتشن حملات اعتقال واختطاف في مناطق سيطرتها، خصوصاً مع اقتراب ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر، خشية أن يتحول الاحتفاء الشعبي إلى موجة احتجاج أوسع ضد سلطتها الكهنوتية.

وفي المقابل، تكشف محاولات الحوثيين فرض مناسباتهم الطائفية، وتقديم نكبة21 سبتمبر بديلاً عن المناسبات الوطنية، عن إدراكهم العميق لقوة الرمز الوطني. غير أن تغيير أسماء الأيام لا يغيّر ذاكرة الشعوب، ولا يستطيع فرض مناسبة بديلة أن يمحو ثورة متجذرة في وجدان أجيال متعاقبة.

من صنعاء المختطفة إلى بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، تبقى مظاهر سبتمبر حاضرة بوسائل مختلفة؛ علم يرفرف فوق منزل، شاب يردد نشيداً وطنياً، شعلة تُوقد على قمة جبل أو سطح منزل، ومنشور إلكتروني يستعيد صورة الثورة ورموز الجمهورية.
إنها مقاومة هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها؛ لأنها تؤكد أن المعركة الحقيقية ليست على الأرض وحدها، وإنما على الوعي والهوية والذاكرة أيضاً.
ولهذا سيظل سبتمبر أكبر من مناسبة وطنية؛ سيظل عنواناً لإرادة اليمنيين في رفض عودة الكهنوت، ودفاعهم عن الجمهورية، وتمسكهم بدولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات.
قد تستطيع المليشيا مصادرة الأعلام، وإسكات الأصوات، واعتقال المحتفلين، لكنها لن تستطيع اعتقال سبتمبر من ذاكرة شعب. فالثورات قد تُحاصر، والأوطان قد تمر بأقسى محنها، لكن الفكرة التي آمن بها الناس لا تموت.
وفي اليمن، ما دام سبتمبر حياً في الوجدان، فإن شعلة الجمهورية ستظل مشتعلة، وسيبقى حلم استعادة الدولة أقوى من كل محاولات إعادة عقارب التاريخ إلى زمن الكهنوت.