تحاول هذه الدراسة القصيرة مقاربة مفهوم الفطرة الإنسانية ودور العوامل الثقافية – اللغوية في تشكيل مسارات هذه الفطرة وتحديدها بما قد يزعزع امتياز الفطرة الإنسانية – القبلية المؤمنة في المجتمعات الإسلامية وغيرها، وبما يؤكّد الشكل الاجتماعي – الثقافي المكتسب للتدين عموما والتدين الإسلامي ضمناً من خلال ما يأتي:
- الإنسانية صناعة اجتماعية.
- في نقد أسطورة الهمجي النبيل.
- اللغة ما بين التعريف والوظيفة.
- العلاقة ما بين اللغة والدين في ضبط مفهوم الفطرة إسلامياً.
لقد أطاح العلم كل التصورات الرومانسية عن أسطورة الهمجي النبيل الذي يجهل الشر، صحيح أنّ الطفل الوحشي المنعزل عن البشر لا يعرف الشرّ والضرر ولكنّهُ بالمقابل لا يعرف الخير، فهو أصلاً لا يدرك مفهومات عليا مجرّدة بسبب افتقاده إلى اللغة، ومن دون حضارة يكون الإنسان واحداً من أضعف الحيوانات وأقلها ذكاء، إنّ التطور الروحي الحركي الطبيعي للأطفال لا يحدث إلا بوجود بيئة اجتماعية حاضنة تُفعّل الدوافع الداخلية وتستجيب للحوافز الخارجية مع التربية والتعليم، ومن دون ذلك سوف نجد أطفالاً مصابين بما يشبه التخلف العقلي ولكن بدماغ سليم تشريحياً وعضوياً. لن يهتدي حيّ بن يقظان إلى عدم وجود تعارض بين العقل والشريعة كما سرد ابن الطفيل، وسيكون بشراً وحشيّا ككل الحيوانات الأخرى، من دون بعد فلسفي أو عقائدي- ديني.
إذا تُركَ الطفلُ المولودُ حديثا بمعزل عن التواصل العاطفي – الاجتماعي في البيئة، من دون تعليم أي لغة سيُصاب بالتخلف العقلي الشديد، وتضيعُ خصيصته الإنسانية. قام فريدريك الثاني حاكم صقلية في القرن الثالث عشر، بإجراء تجربة، أحضر فيها عدداً من الأطفال حديثي الولادة إلى مرضعات ومربيات يعتنين بهم من دون أن يصدر عن المربيات أي صوت (لا مناغاة ولا كلاماً) وكان هدفه من إجراء هذه التجربة معرفة ما إذا كان الأطفال سيتكلمون عندما يكبرون اللغة العبرية (لغة أقدم كتاب سماوي) أم اليونانية واللاتينية (لغة الأناجيل المتداولة آنذاك) أم العربية (لغة القرآن الكريم) أم اللغة المحلية في صقلية التي يتكلمها آباؤهم وأمهاتهم، ولكن جهده ذهب عبثاً إذ مات الأطفال الذين دفع بهم إلى هذه التجربة جميعهم، ذلك أنهم لم يستطيعوا العيش من دون تدليل المرضعات ورؤية وجوه باسمة وسماع كلمات أو أصوات تشعرهم بالحب والحنان[1].
في شتاء سنة 1799 في جنوب فرنسا أمسك جيران غابة أفيرون بطفل وحشي قُدّر عمره بـ 12 سنة، كان طفلاً عارياً تفوح منه رائحة قذرة ويتحرك حركات غير هادفة يخاف منه الناس، كان متأقلماً مع البرد والثلج، جلده ممتلئ بالندوب ويخدش بأظافره كل من يحاول الاقتراب منه.
لقد ظنّ الناس حينئذ بأن الطفل أبلهٌ وقد تُرك في الغابة منذ الولادة. لكن الأطباء أخضعوا هذا الطفل إلى الدراسة ومحاولات الأنسنة والتعليم والدمج الاجتماعي التدريجي، كذلك جرت دراسته من قبل علماء البيولوجيا، وتبيّن أنه يسمع بعد فحصه في المعهد الوطني للصم. قام الدكتور جين مارك ايتار بتسميته بفيكتور، وبعد سنوات عدة أصبح فيكتور قادراً على القيام ببعض احتياجاته وأصبح يلبس نفسه ويفهم اللغة الفرنسية، ولكنه لم يستطع التكلّم بها على الرغم من كل المحاولات، وقد استنتج الدكتور ايتار بأن الطفل فيكتور لم يكن لديه تخلف عقلي ولكنّ العزلة الاجتماعية المفروضة على الطفل هي السبب في ما حدث له، وقد كتب ايتار “لا يستطيع الإنسان الوصول إلى المركز المرموق الذي اختصَّته به الطبيعة إلا إذا كان في وسط مجتمع، ومن دون حضارة يكون الإنسان واحداً من أضعف الحيوانات وأقلها ذكاء[2].
من المعروف حاليا بأن التطور الروحي الحركي الطبيعي للأطفال لا يحدث إلا بوجود بيئة اجتماعية حاضنة تُفعّل الدوافع الداخلية وتستجيب للحوافز الخارجية مع التربية والتعليم، ومن دون ذلك سوف نجد أطفالاً مصابين بما يشبه التخلف العقلي ولكن بدماغ سليم تشريحياً وعضوياً. لقد توصّلت دراسة أمريكيّة أجريت عام 1958 إلى الاستنتاج بأن انعدام عناية الأم وإثارتها لأحاسيس طفلها وإظهار حبّها له يؤدي الى تخلف جسماني وعاطفي وإلى معدل وفيات عال، فمن مجموع 91 طفلاً كانوا موضوعاً للدراسة في بيوت حضانة في الولايات الشرقية الأمريكية وكندا مات 34 طفلاً على الرغم من الطعام الجيد والعناية الطبية الفائقة[3].
- في نقد أسطورة الهمجي النبيل
تتمركز آليات اللغة في النصف المسيطر للكرة المخية وهو النصف الأيسر بنسبة 90 في المئة من البشر، يبدأ الإنسان في اكتساب اللغة السريع في عمر سنتين تقريباً ويستمر بتباطؤ حتى سن البلوغ، فإذا حُرِم الإنسان من التواصل مع المحيط واكتساب اللغة لن يقدر على ذلك مستقبلاً. لقد أشعلت حالة طفل غابة أفيرون الوحشي مناقشة قويّة ضمن النخبة المثقفة الفرنسية آنذاك حول طبيعة الإنسان ودور العوامل الفطرية -الوراثية والمكتسبة في ذلك. بتطبيق النظريات العلمية الحديثة على حكاية حيّ بن يقظان التي ألفها الفيلسوف الأندلسي ابن الطفيل، هذا الطفل الذي عاش وحده في جزيرة الواق الواق وأرضعته ورعته الظبية حتى وفاتها في عمر السابعة، سوف نحصل على نتيجة مُختلفة، ولن يتوصّل حيّ بن يقظان إلى عدم وجود تعارض بين العقل والشريعة كما سرد ابن الطفيل، إذ لن يدرك حيّ بن يقظان مفهوم الشريعة أو الدين أساساً، وسيكون بشراً وحشيّاً ككل الحيوانات الأخرى، من دون بعد فلسفي أو عقائدي- ديني.
لقد أطاح العلم التصورات الرومانسية كلها عن أسطورة الهمجي النبيل الذي يجهل الشر، صحيح أنّ الطفل الوحشي المنعزل عن البشر لا يعرف الشرّ والضرر ولكنّهُ لا يعرف الخير أيضاً، فهو أصلاً لا يدرك مفهومات عليا مجرّدة بسبب افتقاده إلى اللغة. الأطفال الذين يعزلون عن المحيط الاجتماعي هم صنف مُختلف من البشر، ولكنّهم يحملون الإمكانات الإنسانية كلّها لو جرت رعايتهم “إن ظهور اللغة كان السبب المباشر والرئيس لجميع الصفات العقلية التي تميزنا عن غيرنا من المخلوقات لا سيما ذكاءنا الخاص، ووعينا الخاص اللذين يُولّدان معاً أشكالا من السلوك لا تعرفها أنواع المخلوقات الأخرى وهي بعيدة كل البعد عما لديها[4].
- اللغة بين التعريف والوظيفة
ليست اللغة محض مهارة فكرية من ضمن عدد من المهارات، وهي ليست كما هو شائع محض وسيلة للتواصل، وفقاً لبيكرتون، لم يزدد ذكاء النوع البشري تناسباً مع ازدياد حجم الدماغ لدرجة معيّنة بما مكّنه من اختراع اللغة في مرحلة معيّنة كما تقول المدرسة السلوكية، بل إنّ الذكاء نفسه جاء مع اللغة، والوعي الإنساني ما كان له أن يوجد خارج اللغة[5].
ليست اللغة محض مُخرِج لعملية التفكير، وليست اللغة محض أداة، بل هي الشرط الضروري والأساس لعملية التفكير والوعي الإنساني.الإنسان لا يعبّر فقط بوساطة اللغة فهذا ما يمكن أن ندعوه بالكلام، لا بل إنّ اللغة هي أداة الفكر والتفكير نفسه. إن التواصل ليس هو اللغة، فالتواصل الإنساني يجري بوسائل متعددة كثيرة لغوية وغير لغوية كما هو حال تعابير الوجه ولغة الجسد والملابس والصيحات نحوها، والتواصل هو أحد وظائف اللغة إضافة إلى وظائف نفسية واجتماعية وفكرية أخرى، لا يمكن تعريف اللغة بكونها أداة تواصل، فالتواصل هو أحد استعمالات اللغة ووظائفها، لنميّز بين الشيء واستخداماته، اللغة أساسا هي “نظام تمثيل، هي صورة منظمة ومرتّبة عن العالم بحيث يمكننا تحديد عناصر المعلومات فيها بسرعة ويسر. فالصورة التي تجزئ مفهومنا عن الواقع الى أجزاء مسماة وقابلة للاستفادة الفورية هي التي تجعلنا قادرين على الحديث عن العالم وعن كل ما فيه تقريباً، عن كل ما ندركه بالحواس على الأقل وحتى عدد كبير مما لا تدركه الحواس مثل الملائكة والنيوترونات والقنطور[6] يقول دِي سُوسير بالطبيعة الجبرية المؤلفة من عناصر مركبة للغة، ويؤكد فكرة النظام الإشاري الاعتباطي الإصلاحي المكتسب[7] التمثيل الذهني للعالم يقوم على أساس لغوي، ومنطقياً التمثيل يسبق التعبير ويسبق التواصل، نحن نبني التصورات الذهنية ومن ثمّ نعبّر عنها باللغة “فاللغة هي التي تبني لنا صورة العالم التي نستعملها في التفكير والتواصل، ونستطيع بعدئذ لو شئنا أن نتخيل رؤية هذه الصورة أيضا في هيئة انطباعات ذهنية[8].
- العلاقة ما بين اللغة والدين
تقوم الأديان على مجموعة من التصورات الذهنية والعلاقات التفسيرية بين عناصر مادية ومعنوية في سياق معرفي جمالي أخلاقي مُعيّن، وحتّى العناصر المادية في الأديان تعبّر عن نفسها لغوياً، إذ تُعتبر اللغة بمنزلة وسيط أو مجال ضروري لبناء التصوّرات وعملية الإدراك، إدراك الإنسان لنفسه والعالم. إنّ الاعتقادات الدينية واللادينية هي تصورات ذهنية تتسم بالثبات والتصديق عند المؤمنين بها، بغض النظر برهانها تجريبياً أو توافقها مع التحليل الموضوعي. اكتساب اللغة هو الشرط الضروري والسابق لاكتساب الدين عند الإنسان، والكائنات الحيّة الأخرى ليس لها بعد عقائدي ديني لكونها كائنات غير لغوية، والمقصود باللغة هنا المعنى الاصطلاحي المخصوص، وليس المعنى المجازي بما يشمل الأشكال الأخرى للتواصل. لا يمكن فصل الدين عن المجتمع واللغة التي ظهر فيها هذا الدين، لا ينبغي مناصرة الحتمية اللغوية في هذا السياق، ولكنّ المنظومة الاجتماعية اللغوية للمجتمع تحدّد السمات الأساسية للعقيدة الدينية، وتحدد الأولويات التي تطرحها وإمكانات نفوذها واستمرارها في المجتمع نفسه. اللغة في العموم تلعب دوراً في تحديد وجهة الفكر والقول عند الإنسان واختلاف اللغات بكل ما تحمله اللغة من إرث اجتماعي – حضاري سيؤدي إلى اختلاف المقاربات والفهوم بما يشمل العقائد الدينية واللادينية للإنسان.
في اللغات السامية عموماً واللغة العربية مثلا تنقسم الكلمات بما يشمل أسماء الجمادات إلى مذكر ومؤنث، وسواء أكان على سبيل الحقيقة أم المجاز، بينما في اللغات معظمها الهندو-أوربية قد تكون الكلمة محايدة كما هو حال اللغة الألمانية مثلاً، من هنا يمكن التساؤل حول جنس الإله والملائكة مثلا، وإمكانات الإجابة ضمن المنظومة الاجتماعية اللغوية وحدودها. كما ينبغي الإشارة هنا إلى أنّ المنظومة اللغوية للعالم لا تتوافق مع المنظومة السببية العقلية في هذا التصنيف، فالجمادات نفسها في الألمانية مثلاً تنقسم إلى مذكر ومؤنث ومحايد على أساس اعتباطي- اصطلاحي. الإشكالية هنا تتجاوز اللغة الخاصة إلى عمق المنظومة القيمية للمجتمع وتفضيلاتها.
- في ضبط مفهوم الفطرة إسلامياً
في حديث منسوب الى النبي محمد ” كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه- متفق عليه “. يضيف النووي شارحا “الأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئاً للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلماً استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا[9].
تعقيباً على هذا النصَ يُقال:
أولاً: كل إنسان مولود يولد على فطرة التديّن أي إمكان اكتساب الدين، وقبل فطرة التدين فطرة اكتساب اللغة والوعي الإنساني. المقصود بالفطرة هنا البرمجة والقابلية الدماغية الكامنة بانتظار تفعيلها في شرط زمني وبيئي – اجتماعي لاحق.
ثانياً: لا تملك الأشكال العقائدية سواء أكانت دينية أم لادينية، وسواء أكانت إسلامية أم غير إسلامية أي ميزة تفاضلية بين بعضها، في ما يتعلّق بقابلية التلقي واكتساب العقائد عند الأطفال، في الأغلب يؤمن الإنسان بما كان يؤمن به والدية وأسرته والمجتمع الذي نشأ فيه، مع إمكان تغيير المُعتقد لاحقاً ربطاً بخبرات معرفية وعوامل شخصية ونفسية واجتماعية بحدود انفتاح المجتمع ومدى تقبله للحرية والاختلاف العقائدي.
ثالثاً: ما يزال منطق الجوهر الثابت التفاضلي مُتحكماً في أغلب الأشكال العقائدية الدينية على اختلافها، كلّ عقيدة دينية تدعي الأفضلية لنفسها على العقائد الأخرى، وكونها أقرب إلى فطرة الإنسان وتصميم فكر الإنسان من غيرها، علما بأنّ المفاضلة هي أمر مُمكن بين العقائد الدينية، لكن ليس على أسس جوهرانية – صراعية بل أسس التزامها بأولويات الحياة والعدل والحرية وتحقيق الطمأنينة ومجتمع السلم.
الهوامش
[1] بنو الإنسان، بيتر فارب، ترجمة زهير الكرمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1983ص12
[2] more details about it ,Wolf Children and the Problem of Human Nature With the Complete Text of the Wild Boy of Aveyron), by Lucien Malson, Jean Marc Gaspard Itard , Published January 1st 1972 by Monthly Review Press
[3] بنو الإنسان، بيتر فارب، مرجع سابق، ص 12
[4] اللغة وسلوك الإنسان، ديريك بيكرون، ترجمة د. محمد زياد كبة، الرياض، مطبعة جامعة الملك سعود 2006، ص 175
[5] اللغة وسلوك الإنسان، مرجع سابق، ص 39
[6] اللغة وسلوك الإنسان، مرجع سابق، ص39
[7] علم اللسانيات العام، فردينان دي سوسير، ترجمة يوئيل يوسف عزيز، دار آفاق عربية، بغداد 1985، ص140-141
[8] اللغة وسلوك الإنسان، مرجع سابق، ص 17
[9] منهاج شرح صحيح مسلم، أبو زكريا النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1972، ص208
مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”
هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.
حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي