اخبار وتقارير

الأربعاء - 25 مارس 2026 - الساعة 05:31 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

قد يقول بعض الناس من خلال قراءة مقالي أنني أحاول هدم الأعراف والتقاليد وأنسبها إلى الإمامة، وأنها في الأصل عادات قبلية يمنية وليست من صميم نظام الإمامة.
وأنا أدرك تمامًا أن هذه المسميات والأعراف ليست من جوهر القبيلة ولا من قيم المشيخ، وأن التاريخ تناولها ودوّنتها كتب ودراسات عديدة.
وتشير دراسات أنثروبولوجية وبحوث تاريخية، إلى جانب بعض القراءات المعاصرة لباحثين يمنيين مثل الدكتور محمد عبدالجبار سلام عميد كلية الإعلام رحمة وله كتاب كان يدرس بملية الإعلام اول جزئين اسمه الإعلام اليمني اسهب كثيرا فيه عن الإمامة وأشار الدكتور في بحثه، إلى أن هذه التصنيفات، وإن كانت لها جذور اجتماعية، إلا أن السلطة الإمامية عملت على إعادة إنتاجها وتوظيفها كأداة للسيطرة وإضعاف التماسك المجتمعي.

ومن أبرز ما تناول هذا الجانب عدد من الباحثين والمؤلفات، منها:
كتاب اليمن: الدولة والمجتمع للباحث برنارد هيكل،
وكتاب اليمن في عهد الإمام يحيى للمفكر عبد الله البردوني، والذي يعد من أهم الكتب التي كشفت طبيعة حكم الإمامة، وأشار إلى كيفية إدارة المجتمع وتقسيمه عبر الأعراف والتراتبية بشكل غير مباشر.
كما تناول بول دريش في كتابه بنية المجتمع اليمني التركيبة القبلية والاجتماعية، موضحًا كيف تتشكل الطبقات داخل القبيلة نفسها.
وتحدث فرد هاليداي في كتاب اليمن الجمهوري عن استمرار بعض هذا الإرث بعد سقوط الإمامة،
فيما رصد المؤرخ محمد الأكوع في قبائل اليمن البنية القبلية وما فيها من فوارق،
وتناولت شيلاغ وير في كتاب اليمن: السياسة والمجتمع العلاقة بين السلطة والأعراف الاجتماعية.
اليوم، وأنا أتابع مقطع أحد الأبطال اليمنيين مع طفل، أدركت أن المجتمع ما زال أسيرًا لهذه المسميات البالية.
حيث أعادت حادثة خالد الخروقة إلى الواجهة واحدة من أخطر القضايا الاجتماعية المسكوت عنها في اليمن، وهي قضية التصنيفات الطبقية والمسميات التي ما تزال تتحكم في نظرة الناس لبعضهم البعض داخل المجتمع الواحد.
هذه المسميات التي يظنها البعض جزءًا من "العادات القبلية"، ليست بريئة كما تبدو، بل هي امتداد لإرث تاريخي ترسخ خلال عهود الإمامة، حين تم توظيف البنية الاجتماعية كأداة للسيطرة السياسية.
لم يكن حكم الإمامة، منذ الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، مرورًا بالإمام المتوكل على الله إسماعيل، والمنصور بالله القاسم، وصولًا إلى الإمام يحيى حميد الدين وابنه أحمد، قائمًا فقط على السلطة الدينية، بل اعتمد بشكل عميق على تفكيك المجتمع من الداخل.
لقد أدركت الإمامة مبكرًا أن القبيلة القوية المتماسكة تشكل خطرًا على استقرار حكمها، فعملت على خلق فوارق داخلية بين أبنائها، وزرعت مسميات وتصنيفات تقسم الناس إلى مراتب غير مكتوبة، لكنها نافذة بقوة العرف.
مسميات مثل: مزين، دوشان، جزار، عطعط، حلاق وغيرها، لم تكن مجرد توصيفات مهنية، بل تحولت مع الزمن إلى أدوات تمييز اجتماعي، ينظر من خلالها إلى فئة على أنها أدنى من أخرى، حتى داخل القبيلة الواحدة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التسمية، بل امتد إلى تنظيم الأسواق، وتحديد الأدوار، وترسيخ امتيازات لفئات دون غيرها، في إطار سياسة واضحة تقوم على مبدأ "فرق تسد".
والمؤلم أن هذه التصنيفات لم تنته بسقوط الإمامة، بل استمرت كإرث اجتماعي متوارث، تغذيه الجهالة أحيانًا، وتعيد إنتاجه بعض مراكز النفوذ أحيانًا أخرى.
حادثة الخروقة لم تكن سوى مرآة كاشفة لهذا الواقع، إذ تحولت عبارة عفوية إلى أزمة، لا بسبب مضمونها فقط، بل لأنها اصطدمت ببنية اجتماعية هشة ما تزال محكومة بعقد التفوق والدونية.
إن استمرار هذه المسميات يعني استمرار الانقسام، واستمرار الانقسام يعني بقاء المجتمع ضعيفًا، قابلًا للاختراق، وسهل التوجيه.
المعركة اليوم ليست فقط عسكرية أو سياسية، بل هي معركة وعي أيضًا… معركة ضد الأفكار التي زرعت الفرقة، وضد الإرث الذي يعيد إنتاجها في كل جيل.
وخلاصة الرسالة لمن يقرء مقالي
لا يمكننا انتظار أحد ليحررنا من إرث الماضي الممزق، ولا يمكن لأي سلطة أن تصلح ما أفسده تاريخ طويل من التصنيفات الاجتماعية. الوعي مسؤوليتنا جميعًا، ومعرفة جذور هذه المسميات ومواجهتها هي الطريق الوحيد لتوحيد المجتمع، وإنهاء الانقسام المزمن، وإعادة بناء وطن يستطيع كل أبنائه العيش فيه متساويين، بلا عنصرية أو فوارق تعود إلى عهود الإمامة.