صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي
في مدينة تعز، التي دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها منذ سنوات، تتكشف بين الحين والآخر مواقف صادمة لبعض القيادات والمواقع والمنصات الإعلامية التي يفترض أنها تنتمي إلى صف الشرعية، لكنها تسير في اتجاه معاكس يخدم مليشيات الحوثي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه دماء الطفل الشهيد إبراهيم جلال في حي الروضه شاهدة على جريمة قنص غادرة نفذها قناص حوثي متمركز في حي كلابة، اختارت تلك المواقع والمنصات تجاهل الجريمة، وتجاوز تفاصيلها المؤلمة، وكأن استهداف طفل أعزل لم يعد حدثاً يستحق التوقف عنده أو فضح مرتكبيه.
بدلاً من ذلك، انصرفت هذه الجهات الإعلامية وفي مقدمتها قناة يمن شباب وموقعي تعز تايم وأخبار تعز إلى حملات مكثفة لمساندة مطلوب أمني لوزارة الداخلية، هو سالم حيدر المشولي، الذي تشير الوقائع إلى تورطه في مهاجمة منشاءت خدمية، ونقاط ومواقع أمنية، والاعتداء على جنودها، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأمنية التي تؤدي واجبها في حماية المواطنين في مديرية الوازعية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التبرير أو التخفيف من خطورة هذه الاعتداءات، بل تجاوز ذلك إلى تصوير ملاحقة المطلوب الأمني سالم حيدر المشولي وعصابته وكأنها استهداف للمدنيين، في محاولة لتشويه صورة المقاومة الوطنية، وإرباك الرأي العام، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية.
إن تجاهل جرائم القنص الحوثية المتكررة بحق أطفال ونساء تعز، وآخرها جريمة استشهاد الطفل إبراهيم جلال، يطرح تساؤلات حقيقية حول طبيعة هذا الصمت، ودوافعه، ومن يقف خلفه، خصوصاً في ظل استمرار استهداف الأحياء السكنية من مواقع القناصة الحوثيين دون توقف.
وفي المقابل، تتعرض قوات المقاومة الوطنية لحملات إعلامية منظمة، رغم أنها تنفذ توجيهات وزارة الداخلية وتعمل على ملاحقة المطلوبين أمنياً والعصابات التي تنفذ مخططات تخريبية تستهدف أمن واستقرار المناطق والمدن المحررة.
إن هذا السلوك الإعلامي لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الرأي أو تباين في وجهات النظر، بل يمثل انحرافاً خطيراً في بوصلة العمل الإعلامي، حين يتحول من كشف الجرائم إلى التغطية عليها، ومن الدفاع عن الضحايا إلى الترويج لمرتكبي الفوضى والعنف.
كما أن استمرار هذه الحملات التي تهاجم قوات المقاومة الوطنية وتتهمها بقتل المدنيين دون أدلة واضحة، يفتح الباب أمام نشر الفتنة، وإثارة البلبلة، ومنح المليشيات الحوثية فرصة لاستغلال هذه الانقسامات لتحقيق أهدافها التخريبية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من قيادة الدولة التعامل بجدية مع هذه المواقف السلبية والعكسية، ورصد الجهات التي تنشر خطاباً يخدم أجندات معادية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه في دعم الفوضى أو الترويج للمطلوبين أمنياً.
فدماء الأطفال في تعز ليست مادة للتجاهل، وأمن المناطق والمدن المحررة ليس ساحة للمزايدات الإعلامية، والسكوت عن هذه الممارسات لن يؤدي إلا إلى تعميق الفوضى ومنح أعداء الوطن مساحة أكبر للتحرك.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع، ويقظة المؤسسات الرسمية، وقدرتها على ضبط الخطاب الإعلامي المنفلت، ووضع حد لكل من يحاول طمس الجرائم الحقيقية وتزييف وعي الناس، في وقت تحتاج فيه تعز إلى خطاب صادق يواجه القتلة لا أن يبرر لهم.