صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي
منذ وصول النظام الإيراني الحالي إلى السلطة، والمنطقة العربية تعيش على وقع مشروع قائم على التوسع وإدارة الأزمات، حيث تحولت إيران، عبر أذرعها المسلحة وميليشياتها المنتشرة في عدة دول، إلى أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة والإقليم.
فعلى مدى العقود الماضية، لم تُنتج جولات الحوار الطويلة مع النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والعراق وسوريا ولبنان أي استقرار حقيقي، بل قادت إلى مزيد من التصعيد وتوسيع النفوذ الإيراني عبر أدوات مباشرة وغير مباشرة.
لقد أثبتت التجارب أن الرهان على ما يُسمى بـ"التيار المعتدل" داخل النظام الإيراني لم يكن سوى رهان خاسر، لأن بنية هذا النظام قائمة أساساً على مشروع عقائدي توسعي، لا يتعامل مع المنطقة بمنطق الدولة التقليدية، بل بمنطق "المشروع العابر للحدود" الذي يوظف الفوضى والصراعات الطائفية والسياسية لتحقيق أهدافه.
وفي كل مرة يظهر فيها وجه يوصف بالاعتدال داخل طهران، يتبين لاحقاً أن الأمر لا يتجاوز مجرد توزيع للأدوار بين جناح متشدد يهدد ويصعّد، وآخر يفاوض ويراوغ ويكسب الوقت، بينما تبقى القرارات الاستراتيجية بيد المرشد، الذي يحدد مسار الجميع وفق النهج التوسعي ذاته.
ولذلك استخدم النظام الإيراني الحوار والدبلوماسية مراراً كوسيلة لتخفيف الضغوط الدولية وإعادة ترتيب أوراقه السياسية والعسكرية، وليس كخطوة حقيقية نحو السلام أو احترام سيادة الدول.
وما يحدث في اليمن يمثل مثالاً واضحاً على ذلك، حيث استغلت المليشيات الحوثية فترات التهدئة والمفاوضات لإعادة التموضع وتعزيز قدراتها العسكرية، قبل أن تعود لمواصلة التصعيد واستهداف الأمن والاستقرار بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
إن التجارب تؤكد أن التنازلات لا تُنتج اعتدالاً مع هذا المشروع، بل تمنحه مزيداً من الجرأة على التمدد وابتزاز الدول وتهديد أمن المنطقة. ولذلك فإن أي حوار لا يستند إلى موقف حازم وقوة رادعة، سيظل مجرد فرصة إضافية تمنح لهذا المشروع لإعادة إنتاج الفوضى بأدوات جديدة.
فالسلام الحقيقي لا يتحقق بالمراهنة على أوهام الاعتدال، وإنما ببناء موقف إقليمي ودولي قوي يحمي سيادة الدول، ويضع حداً لمشاريع العبث والفوضى التي أنهكت المنطقة لعقود طويلة.