اخبار وتقارير

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 10:55 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

منذ اللحظة الأولى لانقلاب جماعة الحوثي على الدولة اليمنية، برز اسم القيادي الحوثي سلطان السامعي كأحد أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل داخل بنية الجماعة، ليس فقط بسبب موقعه في ما يسمى “المجلس السياسي الأعلى”، بل بسبب شخصيته المركبة وقدرته على التحرك في المساحات الرمادية بين السياسة والإعلام والعلاقات الخارجية.

السامعي لم يكن واجهة بروتوكولية عابرة كما حاول البعض تصويره، بل لعب – بحسب تقديرات ومتابعات سياسية – دوراً يتجاوز ظهوره الإعلامي، خصوصاً في السنوات الأولى للانقلاب، حين كانت الجماعة بحاجة إلى شخصيات ذات خطاب سياسي مرن وقادرة على التواصل مع أطراف داخلية وخارجية، وتقديم الحوثيين كسلطة قابلة للتسويق السياسي.

في تلك المرحلة، ظهر السامعي كأحد العقول التي ساهمت في هندسة الخطاب السياسي الخارجي للجماعة، حتى إن بعض المقربين من دوائر الحوثيين وصفوه بأنه “مهندس العقد السياسية” داخل الجماعة، والرجل الذي يدير كثيراً من الاستشارات البراغماتية والعلاقات غير المعلنة، خصوصاً المرتبطة بالضاحية الجنوبية في لبنان، حيث تشكلت ملامح كثيرة من مشروع الجماعة الإعلامي والسياسي.

كما ارتبط اسم السامعي مبكراً بالمشروع الإعلامي الداعم للحوثيين، عبر قناة إعلامية انطلقت من لبنان بدعم إيراني، وكرّست خطابها منذ البدايات للترويج لمشروع الجماعة سياسياً وإعلامياً، وظلت حتى اليوم واحدة من المنصات التي تتبنى خطاب الحوثيين وتدافع عن تحركاتهم وخياراتهم الإقليمية والعسكرية، ما عزز من صورة السامعي كشخصية تجمع بين النفوذ السياسي والدور الإعلامي المرتبط بمحور إيران في المنطقة.

لكن السنوات اللاحقة كشفت أن الجماعة التي استخدمت السامعي كواجهة سياسية، لم تكن تؤمن فعلياً بالشراكة داخل مشروعها. فالحوثيون – وفق ما يراه كثير من المراقبين – ظلوا يديرون الدولة بعقلية السلالة والمركز الضيق، حتى باتت مؤسسات الدولة اليمنية، من صنعاء إلى الحديدة وإب وذمار وعمران، تُدار فعلياً من دائرة محدودة تنتمي إلى صعدة.

وحين قال السامعي إن “كل المحافظات تديرها قرية من صعدة”، لم يكن حديثه تعبيراً عابراً عن امتعاض سياسي، بل تصريحاً يحمل أبعاداً أعمق من مجرد النقد الإداري. كان الرجل يبعث برسالة مفادها أن مشروع الجماعة الذي رفع شعارات “الدولة” و”القيادة القرآنية” انتهى عملياً إلى إعادة إنتاج سلطة القرية المغلقة، في زمن أصبح فيه العالم قرية رقمية مفتوحة تحكمها التكنولوجيا والحوكمة الحديثة والذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تبدو المفارقة قاسية؛ فالرجل الذي أفنى سنوات طويلة في خدمة المشروع الحوثي، وساهم في تثبيت صورته السياسية، خرج اليوم ليقول بصورة غير مباشرة إن الجماعة أعادت اليمن إلى منطق العزلة والانغلاق، وإلى إدارة بدائية للدولة تقوم على الولاء الضيق لا على المؤسسات.

لكن السؤال الأهم: هل قالها السامعي كتعبير عن قناعة متأخرة وتململ حقيقي داخل بنية الجماعة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة تموضع سياسية مدروسة؟

هناك من يرى أن تصريحاته تمثل محاولة مبكرة من بعض الوجوه السياسية داخل الجماعة لإعادة التموضع قبل أي تحولات كبرى قادمة، خاصة مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، وتراجع قدرة المشروع الإيراني في المنطقة على الحفاظ على زخمه السابق.

ويرى آخرون أن شخصاً بحجم السامعي، المعروف بدهائه السياسي وقدرته على المناورة، لا يمكن أن يطلق تصريحات بهذا المستوى دون وجود رسائل محسوبة بدقة، وربما بإشارات من دوائر مرتبطة بإيران نفسها، لإعادة تدوير بعض الشخصيات السياسية التي تلوثت بالمشاركة في مشروع الحوثي، تمهيداً لمرحلة جديدة قد تتطلب وجوهاً أقل تشدداً وأكثر قابلية للتسويق.

فالسامعي ليس شخصية هامشية داخل الجماعة، بل أحد اللاعبين الذين يعرفون تفاصيل البنية الداخلية، وطبيعة الصراع بين “السياسي” و”السلالي”، وبين واجهات الدولة وشبكات النفوذ العقائدي المرتبطة مباشرة بصعدة وطهران.

وربما لهذا السبب تحديداً، لا يمكن قراءة تصريحاته بوصفها انتقاداً عابراً، بل كمؤشر على وجود ارتباك أو رسائل داخلية تتعلق بمستقبل الجماعة وشكل السلطة داخل مناطق سيطرتها.

وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة الأوضح أن التصريح كشف ما ظل كثير من اليمنيين يتحدثون عنه منذ سنوات: أن الدولة في مناطق الحوثيين لم تعد تُدار كمؤسسات وطنية، بل كشبكة مغلقة تحتكر القرار والثروة والنفوذ باسم “الولاية”، حتى باتت المحافظات اليمنية الواسعة تُختزل في قرار صادر من دائرة ضيقة تنتمي إلى قرية واحدة في صعدة.