صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
في الحروب، لا تُقرأ الأحداث من ظاهرها فقط، بل من الطريقة التي تُدار بها التوازنات القبلية والأمنية والاجتماعية في مناطق الصراع. كثيرون ينظرون إلى المشهد في الجوف باعتباره حُسم عسكرياً لصالح الحوثيين منذ دخولهم المحافظة، لكن الواقع القبلي والاجتماعي ظل مختلفاً تماماً.
فالحوثيون صحيح أنهم دخلوا الجوف وسيطروا على مراكزها ومؤسساتها، لكنهم – وفق ما أظهرته الوقائع خلال السنوات الماضية – لم يتمكنوا من إسقاطها قبلياً أو فكرياً. بقيت القبائل متماسكة إلى حد بعيد، وبقيت حالة الرفض كامنة تحت السطح، حتى وإن لم تظهر دائماً في شكل مواجهة مباشرة.
الجماعة كانت تتوقع، بعد السيطرة على الجوف، أن تتحول القبائل إلى خزان بشري يدعم مشروعها العسكري، وأن يتم استخدام أبناء الجوف في معارك مأرب باعتبارهم رأس حربة بحكم الجغرافيا والعلاقات القبلية. لكن ما حدث كان مختلفاً؛ إذ واجه الحوثيون حالة رفض صامت، وتمسكاً قبلياً بعدم الانخراط الكامل في مشروع الجماعة.
الكثير من المشايخ ظلوا يتحركون في المنطقة الرمادية؛ مع الحوثيين ظاهرياً، ومع القبيلة فعلياً. بعضهم كان يؤدي دور الوسيط أو “صمام الأمان”، فيما بقي ولاؤه الحقيقي مرتبطاً بالتوازنات القبلية لا بالمشروع الحوثي نفسه.
وفي فترة الحرب مع الشرعية، برزت شخصيات لعبت دور التثبيط داخل المجتمع، عبر خطاب يقول إن “المسيرة لا يمكن إيقافها”، وإن مواجهتها عبثية أو “أمر إلهي” لا جدوى من مقاومته. وصدّق البعض تلك الروايات، ما ساهم في إرباك المشهد القبلي وحدوث ما حدث لاحقاً.
لكن الحوثيين اصطدموا لاحقاً بمشكلة معقدة: كيف يمكن إخضاع قبائل الجوف بالكامل وهي قبائل لا تتحزب تنظيمياً، ولا تنخرط عقائدياً في مشروع الجماعة، وفي الوقت نفسه تحتفظ بروح قبلية تجعلها تتحرك خلف شيخها أو رمزها الاجتماعي عند أي صدام؟
فالكثير من أبناء الجوف كانوا يقولون للحوثيين بصورة غير مباشرة: “نحن مع السيد وقت الحاجة”، لكنهم لم يكونوا مستعدين للذوبان الكامل داخل المشروع الحوثي أو التحول إلى أدوات مطيعة ضمن بنيته العقائدية.
هنا – وفق ما تشير إليه متابعات وتقارير – بدا الحوثيون في حالة حيرة حقيقية. ولهذا نزل القيادي الحوثي المعروف بـ”أبو علي الحاكم” إلى الجوف مهدداً ومتوعداً، وبدأت الجماعة باستخدام القوة المباشرة لمحاولة إخضاع القبائل، لكنها اصطدمت بطبيعة المجتمع الجوفي الذي يميل إلى أخذ حقه بنفسه، ويرفض الإملاءات المفروضة بالقوة.
ومع فشل القبضة المباشرة، اتجه الحوثيون إلى خطة أكثر تعقيداً وهدوءاً، تقوم على الاختراق التدريجي للنسيج القبلي والاجتماعي، خصوصاً أن الجوف تمثل بالنسبة لهم محافظة استراتيجية شديدة الأهمية؛ بحكم موقعها الحدودي، ومساحتها الصحراوية، وامتدادها الجغرافي، ومواردها الزراعية والاقتصادية.
بدأ الحوثيون باستخدام المشايخ أنفسهم كأدوات فرز اجتماعي واستخباراتي: من معك؟ ومن ضدك؟ ومن يمكن احتواؤه؟ ومن يجب تحييده أو التخلص منه؟
وهذه الآلية لم تقتصر على الجوف فقط، بل استُخدمت – بدرجات متفاوتة – في حجة وعمران وصنعاء وذمار وإب والحديدة وريمة وغيرها.
وفق هذا الأسلوب، كانت أجهزة الجماعة الأمنية والاستخباراتية تعتمد أحياناً على حملات إلكترونية وتسريبات مقصودة، مثل نشر دعوات للخروج ضد الحوثيين أو الترويج لتحركات احتجاجية مرتقبة. وفي اللحظة التي يتحمس فيها بعض الشباب أو الشخصيات الاجتماعية ويتفاعلون مع تلك الدعوات، تبدأ عملية الرصد.
كان هناك – بحسب روايات متعددة – مصورون مخصصون لتوثيق الحضور في أي تجمع أو “مطارح” أو لقاء قبلي، مع التركيز على الشخصيات المؤثرة أو ما يمكن وصفهم بـ”الدينامو المحرك” داخل المجتمع.
بعدها تبدأ عملية “الغربلة”: كشف العلاقات، وتتبع الروابط، وتحليل دوائر التأثير، ثم تفكيك الشبكات الاجتماعية المحيطة بالشخصيات الفاعلة. ومع الوقت، تمكن الحوثيون من خلخلة كثير من البيئات القبلية التي استعصت عليهم في البداية.
وبعد تحييد الرموز أو إسقاط بعضها، انتقلت الجماعة إلى مرحلة أخرى: عسكرة الشباب، وإنشاء مراكز ودورات ومشاريع ظاهرها تنموي أو ثقافي، لكنها تخدم في العمق مشروع السيطرة والتجنيد وإعادة تشكيل الولاءات.
وفي كل قرية وعزلة تقريباً، جرى بناء شبكات محلية مرتبطة بالجماعة، تتحول تدريجياً إلى سلطة أمر واقع: تسجن من تريد، وتضغط على من تشاء، وتعيد هندسة المجتمع وفق معايير الولاء الحوثي.
ومن هنا يمكن فهم قصة الشيخ حمد فدغم بشكل أوسع، لا باعتبارها حادثة فردية فقط، بل ضمن سياق طويل من إعادة تشكيل النفوذ القبلي داخل مناطق سيطرة الحوثيين.
فالسؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا عاد اسم حمد فدغم للواجهة فجأة بعد سنوات؟ ولماذا تحول إلى شخصية “مهمة” في توقيت حساس؟ ولماذا اعتُقل ثم أُفرج عنه بهذه السرعة، بينما تم اغتيال الشيخ ناصر بن حسن الصلاحي في سياق متصل بالأحداث؟
وهل كانت “المطارح” التي قامت تضغط فعلاً على الحوثيين؟ أم أنها كشفت لهم خرائط النفوذ والتحالفات داخل الجوف بصورة أوضح؟
اللافت أن فدغم، منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى صنعاء، تحدث بإيجابية عن عبدالملك الحوثي، وقال إن “السيد أكرمه”، وظهر بخطاب هادئ بعيد عن التصعيد المباشر. وبعد اغتيال الشيخ ناصر الصلاحي، تم الإفراج عنه، ما فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول طبيعة الدور الذي قد يُراد له لاحقاً.
ثم جاءت قضية الفتاة التي قيل إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين – بصرف النظر عن صحة الرواية من عدمها – لتضيف بعداً رمزياً جديداً للمشهد، خصوصاً مع ظهورها وهي تقص شعرها وتستغيث بالشيخ فدغم طلباً للوقوف معها في مواجهة القيادي الحوثي فارس مناع، المتهم من خصومه بامتلاك شبكات نفوذ وتهريب واسعة.
لكن المفارقة أن فدغم لم ينجح حتى الآن – بحسب ما يتداوله متابعون – في انتزاع حق المرأة أو إخراجها من أزمتها القبلية، بل لجأ إلى توجيه مناشدات صوتية ورسائل ناعمة لعبدالملك الحوثي، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتأويل.
ومن زاوية تحليلية، يبدو أن الجماعة قد تتجه إلى صناعة نموذج جديد من “المشايخ غير المعلنين”، شخصيات قبلية تتحرك داخل المجتمع باعتبارها مستقلة أو غير محسوبة تنظيمياً، لكنها عملياً تشكل نقاط ارتكاز تخدم مشروع الجماعة في العمق.
وهنا قد يكون حمد فدغم مرشحاً لهذا الدور: شيخ قبلي له حضوره الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه يتحرك ضمن مساحة تسمح للحوثيين باستخدامه كواجهة لاحتواء القبائل، وحل النزاعات، وتخفيف الاحتقان، وإعادة إنتاج النفوذ بطريقة أكثر نعومة وذكاءً.
فالحوثيون – خلال سنوات الحرب – لم يعتمدوا فقط على القوة العسكرية، بل طوروا أساليب معقدة في الاختراق والمراوغة وإعادة هندسة المجتمعات المحلية، مستفيدين من الفراغ السياسي والانقسامات وضعف خصومهم.
ولهذا يبقى السؤال الأهم:
ماذا ينتظر حمد فدغم فعلاً؟
هل يتحول إلى شيخ نفوذ جديد داخل المعادلة الحوثية؟
أم أنه سيجد نفسه لاحقاً مجرد ورقة مرحلية تنتهي صلاحيتها بمجرد انتهاء الدور المطلوب منه؟